يا طـالـب المـجــد فـي عجــور مــورده =عـــذب مـعـيــن يـروّي غــلــة فـيـنـــــا=شــــم الأنــــــوف أبــاة دام عـــزهــــــم =هـــم الأوائــل إن نــادى مـنــاديــــــنــــا=تـفـوح يـا بـاقـة الأزهـــار فـي وطـنــي =فــوح الأريـــج ونـفـح الطيــب يغـريـنـا كلمة الإدارة


مبارك .........مبارك لعجور ومنتديات عجور       »     عجور التاريخ و الحضارة - الحلقة الثانية       »     سجل الوفيات لعجور ١٣٢٠هـ -١٣٣٠هـ ١٩٠٢م - ١٩١١م       »     عجور التاريخ و الحضارة       »     ميزانية قرية عجور - 1939       »     عجور - وقوعات الزواج 1915م       »     عهد عشائر عجور بالحفاظ على اراضي عجور المشاع و عدم بيعها لل       »     اول أحصاء(حصر نفوس) موثق لسكان عجور1878م       »     أراضي عجور المشاع - حصري       »     اسماء من عجور مطلوبون للضريبة 1       »     ضريبة الانتداب البريطاني "3"       »     عجور - لجنة 18 ( اللجنة القومية لعجور)       »     أراضي عجور الحكر       »     عجور التاريخ و الحضارة-الحلقة الثالثة       »     علم النفس الاجتماعي       »     ملوك المملكة الاردنية الهاشمية       »     موسوعة صور القدس- زهرة المدائن       »     دليل الجامعات العربية و العالمية       »     روائع الشعر العالمي       »     موسوعة الاصول و القبائل العربية كاملة       »    

آخر 25 مشاركات
ملف عن الحج وما يتعلق به (الكاتـب : نور الهدى - آخر مشاركة : قلم حزين - )           »          كبرت بنتــي / قصة مؤثرة (الكاتـب : أمان - آخر مشاركة : قلم حزين - )           »          مبارك .........مبارك لعجور ومنتديات عجور (الكاتـب : م .نبيل زبن - آخر مشاركة : نور الهدى - )           »          عجور التاريخ و الحضارة - الحلقة الثانية (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          سجل الوفيات لعجور ١٣٢٠هـ -١٣٣٠هـ ١٩٠٢م - ١٩١١م (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          عجور التاريخ و الحضارة (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          ميزانية قرية عجور - 1939 (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          عجور - وقوعات الزواج 1915م (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          عهد عشائر عجور بالحفاظ على اراضي عجور المشاع و عدم بيعها لل (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          اول أحصاء(حصر نفوس) موثق لسكان عجور1878م (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          أراضي عجور المشاع - حصري (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          اسماء من عجور مطلوبون للضريبة 1 (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          ضريبة الانتداب البريطاني "3" (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          عجور - لجنة 18 ( اللجنة القومية لعجور) (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          أراضي عجور الحكر (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          عجور التاريخ و الحضارة-الحلقة الثالثة (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          كيف و متى تحدثين طفلك عن التحرش ؟ (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          قصص اطفال للبنوتات الحلوين (الكاتـب : اميرة عجور - آخر مشاركة : م .نبيل زبن - )           »          علم النفس الاجتماعي (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          ملوك المملكة الاردنية الهاشمية (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          موسوعة صور القدس- زهرة المدائن (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          دليل الجامعات العربية و العالمية (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          روائع الشعر العالمي (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          موسوعة الاصول و القبائل العربية كاملة (الكاتـب : م .نبيل زبن - )           »          ضيف اليوم بصراحة (الكاتـب : Big heart - آخر مشاركة : ajoor - )


العودة   منتديات عجور - بيت كل العرب > الاقسام الفلسطينية > منتدى القدس- زهرة المدائن
منتدى القدس- زهرة المدائن يهتم بمدينة القدس وكل ما يمت لها بصلة



إضافة رد
قديم 10-05-2010, 01:40 PM رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 9


جيش أبي بكر لفتح فلسطين:


لما أقبلت العرب على أبي بكر من كل حَدَبٍ وصَوْبٍ تريد الخروج للجهاد في الشام، جمعهم تحت قيادة ذوي الدين والكفاية، ووزعهم على أربعة جيوش، على كل واحد منها أميرٌ قوي أمينٌ، فأبو عبيدةَ أمينُ الأمةِ على جيش، وعمرو بن العاص القائدُ العبقري على جيش، وشُرَحْبِيلُ بن حَسَنةَ الأميرُ التَّقِي على جيش، ويزيدُ بنُ أبي سفيانَ القائدُ الصُّلْبُ على جيش...

وأراد أبو بكر بهذا التقسيم أن ينفرد كل واحد من هؤلاء الأمراء بفتح ناحية من نواحي الشام، فكان فتح فلسطين والقدس من نصيب عمرو بن العاص وجيشه..

وزود الخليفةُ عَمْرًا بوصاياه، قال له: "إذا سرت بجيشك فلا تسر في الطريق التي سار فيها يزيد وشرحبيل، بل اسلك طريق إيلياء (القدس)، حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وابعث عيونك يأتونك بأخبار أبي عبيدة، فإن كان ظافرا بعدوه فكن أنت لقتال مَن في فلسطين، وإن كان يريد عسكرا فأنفذ إليه جيشا في أثر جيش..".

ولأداء هذا المهمة الصعبة، خرج عمرو من المدينة ومعه ثلاثة آلاف جندي، فيهم كثير من المهاجرين والأنصار، وظل أبو بكر يُتْبِعُه بالأمداد حتى بلغوا سبعة آلاف وخَمْسَمائة جندي. كما أمَّره الخليفة على من يتطوع معه من قبائل بَلِيّ وعُذرة وسائر قُضاعةَ وما جاورها. وسلك عمرو بجيشه طريق الساحل، مارا على أيْلةَ (أو العقبة)، فالبحر الميت.

والحقيقة أن استراتيجية القتال في الشام فرضت على المسلمين أن يجتمعوا لعدوهم عند حاجتهم إلى الاجتماع، كما جرى في اليرموك وفِحل وفتح دمشق، وانفرد كل قائد بالمهمة الخاصة به حين استغنى عن قوات زائدة على ما معه.



معركة اليرموك:


رتبت الأقدار موعدَها، واختارت ساحتَها، وموقعَها، تلك المعركة الأم في صراع المسلمين مع الروم، وحقا لم تكن صراعا على مدينة عتيقة كدمشقَ أو بيت المقدس، إلا أنها شهدت حشودا عظيمة من الفريقين، والمنتصر اليوم سيكون الأقربَ للاستيلاء على مدن الشام ووديانها وحواضرها.

اجتمع الرومان ونزلوا الواقوصة على ضفاف نهر اليرموك، وعسكر المسلمون بمحاذاتهم في انتظار قواتِ خالد بن الوليد القادمة من العراق، وبوصولها بدأ خالد ينظم جيشه، ويوزع الأدوار على رجاله، ولم يستعجل الاصطدام بالعدو عند بدء رؤيتهم في ساحة القتال، بل راح يعدِّل في خطته لتتواءم مع ما رأى من قوات العدو، فوزع خيلَه فرقتين لتأخذَ الرومَ من ظهورها إن اشتد ضغطُها على المسلمين... وفي وسط هذا الزحام واللقاء المرتقب لم ينس المسلمون التوجُّهَ إلى الروم بدعوتهم إلى دين الله، وتركِ ما هم عليه من الضلال، لكن القلوب كانت في أغلفة من الغفلة والغرور.

وراح عكرمةُ بن أبي جهل والقَعْقَاعُ بن عمرو يشعلان فتيلَ الحرب، فاشتد القتال، وارتفع لهيب الصراع، ما بين تقدمٍ وتراجعٍ، حتى نجحت خيل خالد بن الوليد في تمزيق شمل الروم والدخول بين صفوفهم..

واستمرت الحرب حتى أعطت السيوف والجنود كل ما لديهم، وتحقق للمسلمين نصر مبين، وذلك في جمادى الآخرة من السنة الثالثة عشرة للهجرة النبوية.

والمعنى المباشر لهذا النصر، هو أن جزءا كبيرا من قوة الروم قد انهدم، مما يقرب أكثر من تحقيق البشارة، ودخول المسلمين بيتَ المقدس المبارك.



فتح فِلَسْطِين:


معركة " أَجْنادِين" من الجولات الحربية الكبرى للمسلمين في الشام، إذ آذنت بغروب شمس الروم عن البلاد، وإشراق شمس المسلمين فوق رُبَاهَا وفى مدنها وعلى شواطئها وبَوادِيهَا، وهي من معارك الفتح في فلسطين، الذي كان مهمة عمرو بن العاص وجيشه.

وقد كانت الذاكرة الإسلامية عند التحرك جهة فلسطين وقلبها القدس، تحمل الميراث القرآني العظيم عن هذه المنطقة، التي باركها الله، وجعلها مقصدا للأنبياء، وآخي في القداسة بينها وبين المسجد الحرام، وجعلها الموقع المختار الذي انتهت عنده رحلة الإسراء وابتدأت منه رحلة المعراج.. ولا شك أن نفس المسلم حين تُقْبل على الفتح بهذه الروح ستكون الهيبة ثيابا تزينها، ولن يكون دخول المدينة قتلا ولا نهبا، ولا إفسادا في أرض الله، كما فعلت أمم شتى قبل ذلك وبعده.

وقد جرت معارك الفتح في فِلَسْطِين صراعا بين رأسَيْن كبيريْن في عالم الدهاء، هما عمرو بن العاص والأمير الروماني الأَرْطِبون، وانتهت وقائعه بانتصار عمرو بن العاص وجنوده.

كما كانت هذه المعارك صراعا على بلاد امتلأت بالقداسة، وزاحم هواءَها عبيرُ النبوة التي عاشت هنا من قبل..

خاض عمرو بن العاص ضد الروم معركة أَجْنَادِين الشرسة، وفتح النصرُ فيها الطريق أمامه إلى بيت المقدس، فبدأ أولا بما حولها من المدن ليمنع عنها المددَ والمساعدة. وبعد حصار طويل انسحب الرومان من القدس، وسلَّم أهلُ المدينة، وطلبوا الصلحَ على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بنفسه ليتسلم مفاتيحَها. وفي الجابيةِ التقى عمر بن الخطاب مع قادته في الشام، فتلقَّوْه بالاحترام والإجلال، ثم تسلم مفاتيح بيت المقدس من الأساقفة، وقام ومعه المسلمون بتنظيف الحرم الشريف، وأقام هناك مسجدًا.

وكلف أمير المؤمنين القائدَ معاويةَ بن أبي سفيان بفتح قَيْسَارِيَّةَ وعَسْقَلانَ، ليكتمل فتح فلسطين حتى الشواطئ الغربية المالحة.
معركة أَجْنَادِين:


وصل عمرو بن العاص بجيشه إلى أجنادين، فوجد القائد الرومي أَرْطِبونَ مرابطا بقواته هناك قد قسَّم جندَه ونظم عساكره، ووضع جندا كثيفا لحماية القدس، وآخر لحماية الرملة، فقطع عمرو طرق المساعدة الرومانية عن الأرطبون، وأرسل قوة لمشاغلة حامية الروم في الرملة، وقوة أخرى لمشاغلة حاميتهم في القدس، وأقام المسلمون في أَجْنَادِين يأتيهم المددُ، ولا يأتي عدوهم.

لكن عَمْرًا لم يجد لخَصْمِه ثغرة، ولم يعرف له خطة، فبعث بالرسل بينه وبينهم لعلهم يكشفون من الروم عن شيء مفيد، أو يطَّلِعون على خططِهم وترتيباتهم للحرب.

لقد أدرك عمرو جيدا أن معرفة العدو شيء ضروري للانتصار عليه، لكن الرسل الذين بعث بهم إلى قائد الروم لم يسعفوه بشيء، فقرر أن يخوض المغامرة بنفسه، وذهب إلى أَرْطِبُون في عرينه متخفيا في صورة رسول من المسلمين، ودخل عليه وكلَّمه، وعرف مداخلَه ومخارجَه، وأوقع قائدَ الروم في حبائل دهائه الرهيبة، إذ حاول القائد أن يقتله لِمَا رأى من ذكائه، وشكَّ في أنه قد يكون عمرا نفسه، وأدرك القائد المسلم ما يدبر له فوعد أرطبون بأن يزوره مرة أخرى ومعه أمثاله من أبناء عمومته من العرب، فطمع قائد الروم في غنيمة أكبر..

لكن عودة عمرو لم تكن سارة للقائد الرومي، إذ أقبل بجيشه وقواته، مما كان إيذانا ببدء قتال حام في أَجْنَادِين، كان الناس وقودا سهلا له، ولكن دون أن تميل الكِفَّة إلى أي من الجانبين..

ويمر الوقت ويدُ كلِّ فريق بين أسنان الآخر، فكان المسلمون أكثرَ صبرا، كما قوَّت انتصارات إخوانهم في مدن سوريا من عزائمهم ومعنوياتهم...

وقلَّب أَرْطِبُونُ بصره في الصفوف فوجد رجاله قد سيطر عليهم إعياء شديد، واضطربت صفوفهم، وأن المسلمين يحصدونهم بسيوفهم حصدا، ففضل أن ينسحب بجيشه إلى موقع يستطيع فيه المقاومة أكثر، فانسحب بهزيمة ثقيلة إلى بيت المقدس الحصينة محتميا بها، وذلك في النصف الثاني من سنة خمس عشرة للهجرة.



معاويةُ يفتح قَيْسَارِيَّةَ وعَسْقَلانَ:


طار كتابٌ من أمير المؤمنين عمر إلى الأمير الموهوب معاويةَ بن أبي سفيان بأن يفتح للمسلمين قَيْسَارِيَّةَ، فسار إليها بروحِه الوثَّابةِ، وحاصرها، فكانوا يزحفون إليه ويزحف إليهم مرات دون أن يفتحها أو يرجعَ عنها، وثبت المسلمون في مواضعهم، فإذا بالقدَر الإلهي يمهد لفتح المدينة من باب لطفٍ إلهي خفي، لقد جاء يهودي إلى المسلمين ليلا، وأرشدهم إلى طريقٍ يدخلون منه المدينة، على أن يؤمِّنوه وأهلَه، فدخل المسلمون قَيْسَارِيَّة ليلا وكبّروا فيها، فتزلزلت الأرض بالروم، وظنوا أن المسلمين قد جاءوهم من كل ناحية، ففروا لا يفكرون في شيء إلا النجاة بأنفسهم، فوقع قتال شديد انجلى عن نصر باهر للمسلمين، ثم كتب عمر إلى معاويةَ بفتح ما بقي من فِلَسْطِين بعد أن فتح بيت المقدس والرَّمْلة، فمال معاوية بجنده إلى عَسْقَلانَ، ففتحها صلحا.


البشارة النبوية بفتح بيت المقدس:


روى البخاري في صحيحه عن عَوْف بْن مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ـ حتى أحصى ستة أشياء.

هكذا أتت البشارة النبوية بفتح بيت المقدس واضحة صريحة، وحددت بدقة أن الفتح لن يكون في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل بعد لحاقه بالرفيق الأعلى..

لقد كانت الذاكرة النبوية وهو في تبوك، على مقربة من بيت المقدس، تستحضر وضع المدينة المباركة، والأَسْر الطويل الذي وقعت فيه، فلا زالت القوى الغريبة عنها تسيطر عليها..

جاءت البشارة في زمن كان الروم فيه يسيطرون بقوة على المدينة المباركة، حتى إن الناظر إلى حالها يتيقن تماما أنهم لن يخرجوا منها، وظن الروم أن المدينة التي استرجعوها من بين أنياب الفرس لن تخرج من أيديهم مرة أخرى أبدا..

لقد خرجت البشرى من رحم الواقع الصعب، لكنها إلهية المصدر، وليست اجتهادا من النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم، ولأنها إلهية فإن كثرة المعوقات، وصعوبة الطريق لن تحول بينها وبين التحقق.. (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا..).







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 01:44 PM رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 10


فتح بيت المقدس:


عقب معركة أجنادين تمهَّد الطريق أمام المسلمين نحو القدس، وأسرعت خُطى التاريخ، واقترب اليوم الخالد، يوم الفتح الذي يُذَكِّر بفتح مكة، فالمسلمون يحاصرون بيت المقدس، بل قل إنهم يعانقون هذه المدينة ومسجدَها المباركَ، تلك التي لازمتْها القداسة حتى في اسمها.. يسترجعون من المدينة ذكريات أنبيائها وصالحيها، فهذا الخليل وابنه إسحاق، ويعقوب وبنوه، وهذا داود وابنه سليمان، وهذه مريم وابنها، وزكريا ويحيى، وكثير وكثير ممن ملأوا هذه الأرض بنور السجود وضياء التسبيح والركوع..

حرص عمرو بن العاص قبل أن يأتي بجنوده إلى القدس والرَّمْلة على أن يفتح ما حولهما من المدن، ليمنع عن الروم أي مدد، فحرر رَفَحَ وغَزَّةَ وسَبَسْطِيةَ ونابْلُس ولُدَّ وتُبنى وعَمَوَاسَ وبيتَ جَبْرِين ويافا ومَرْجَ عُيون.. فكان بذلك يحفظ قداسة بيت المقدس أن يسفك فيها دم، أو تتلطخ بقتال ينتهك حرمتها.

وبدا الروم لدى مقدم عمرو بجيشه محبوسين بين جدران المدينة التي صبغوها بمذهبهم في المسيح، وأرادوا أن يفرضوه على العرب والقبط في الشام ومصر وغيرهما..

ولم تكن بيت المقدس في ذلك الحين سوى مدينة رومانية في اسمها (إيلياء)، ورومانيةٍ في طراز أغلب مبانيها، يتجول في شوارعها جنود الإمبراطورية، وتتحرك في أنحائها وجوه من عناصر شتى، غير أن سمت أهلها من العرب لا تخطئه عين الناظرين.

عمر يتسلم مفاتيح بيت المقدس:


قبل أن يغادر عمر الجابيةَ في لقائه مع قواده بالشام أتاه وفد من أهل بيت المقدس يلتمسون عنده الصلح، فبذله لهم، وكتب لهم بذلك كتابا، فرجعوا وقد علموا أن هذا الكتاب وهذا الصلح نصر تحقق لهم، فقد جاءهم أمير عادل وقوم منصفون، وذهب عنهم بطش الرومان وظلمُهم واضطهادُهم.

ومضى أمير المؤمنين إلى بيت المقدس، والتواضعُ لله وحدَه يكسو عمر وأصحابَه هيبةً ووقارًا.

إنها بشارة من بشارات الصادق المصدوق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووعد من موعودات الله لخلقه المؤمنين يتحقق أمام عيون الركب المبارك، وشريط الذكريات لا زال يعيد نفسه يوم كان النبي يلقي ببشرى فتح بيت المقدس في تبوك..

ولما أشرف بطريرك بيت المقدس من السور، ورأى جمع المسلمين يتقدمهم أمير المؤمنين، صاح بأعلى صوته "هذا والله الذي نجد صفته ونعته في كتبنا، ومن يكون فتح بلادنا على يديه بلا محالة". وكان ذلك بقية صادقة مما في كتب أهل الكتاب عن الصالحين من أسلافهم..

ثم قال البطريرك لأهل بيت المقدس: "يا ويحكم انزلوا إليه واعقدوا معه الأمان والذمة"، فنزلوا مسرعين، وكان الحصار الشديد قد أضناهم وشق عليهم، ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر يسألونه العهد والميثاق والذمة ويقرون له بالجزية، فخر عمر ساجدًا لله على بعيره..

وكان ذلك شاهدًا قويًّا على أن أهالي القدس وجدوا في الدولة الإسلامية الفتية ينبوع أمن وأمان لهم ولمدينتهم، يصون لهم خصوصياتهم، ويمنحهم حرية العقيدة بلا إكراه ولا مضايقة، كما كان دليلاً واضحًا على أن انسحاب الروم من بيت المقدس كان أمرًا حتميًّا تفرضه الرغبة الشعبية في هذه المدينة ضد المستعمرين من الروم..

وكان أهم مطلب ركز عليه الوفد الشعبي لبيت المقدس الذي لقي عمر في الجابية، وطلب منه الصلح ـ هو ألا يساكنهم في المدينة أحد من اليهود. وقد أصر البطريق صفرنيوس حين عرض تسليم المدينة المقدسة للخليفة عمر بن الخطاب شخصيًا على نفس المطلب الشعبي، فوافق أمير المؤمنين على ذلك، وسجله في وثيقة محددة البنود، أضاف فيها شروطًا تنص على احترام مقدسات هذه المدينة، وما يكفل لها السلامة أيضا من بقايا الروم وعملائهم.

ودخل الفاروق المسجد الأقصى من الباب الذي دخله منه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الإسراء، ونظف بنفسه الصخرة المباركة، وتسلم مفاتيح المدينة الطاهرة في لحظةٍ تاريخيةٍ من أعز لحظات الزمن. وقضى الخليفة في القدس خمسة أيام ثم رجع إلى المدينة.

لقد كان فتحًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها الطويل، والمأساوي في غالب الأحوال، فبعد أن استسلم أهل المدينة لم يَحْدُثْ قتل أو تدمير للممتلكات، أو إحراق للرموز الدينية المنافسة، وأيضا لم يكن هناك طرد للسكان، أو نزع للملكية، أو محاولة لإجبار السكان على اعتناق الإسلام ..

وعاشت القدس منذ هذه اللحظة في رحاب الإسلام: بدءا من خلافة الراشدين، فالدولة الأموية، فالحكم العباسي، وما تفرع عنه من الطولونيين والإخشيديين، ثم جاء الحكم الفاطمي، ثم احتلها الصليبيون في ذيل القرن الخامس الهجري، حتى استردتها جيوش صلاح الدين بعد اثنين وتسعين عاما من الاحتلال.


الوثيقة العمرية لأهل بيت المقدس:


"بسم الله الرحمن الرحيم:

ـ هذا ما أعطى عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان:

ـ أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها.

ـ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكْرَهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم.

ـ ولا يَسْكن بإيلياء معهم من اليهود.

ـ وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما تعطي أهل المدائن (أي المدن الأخرى من بلاد الشام).

ـ وعليهم أن يُخْرجوا منها الروم واللصوت (أي اللصوص).

ـ فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية.

ـ ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعَهم وصُلُبهم فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم.

ـ ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا عليه مثلُ ما على أهل إيلياء من الجزية.

ـ ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يُحْصَد حصادهم.

ـ وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أَعْطَوا الذي عليهم من الجزية.

ـ وشهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان.

ـ وكُتِب وحُضر سنة خمس عشرة ..

(وفي تاريخ الفتح خلاف، وإن كان الراجح هو أنه في سنة ست عشرة).


كانت المدينة قد ضاقت بالاحتلال، وسمعت عن عدل الفاتحين الجدد الذين يقولون إنهم يهتدون بخُطى الأنبياء، ويضعون "إيلياء" موضع الإجلال والتقديس، ويشاركون أهل المدينة في عروبة أصولهم.

وبدأ عمرو فضرب الحصار حول المدينة أربعة أشهر، حتى ضاق صدر الروم من بأس المسلمين وصبرهم، بالرغم من الشتاء القارس والعوامل الجوية الصعبة، فانسحب أتباع قيصر والأرطبون من بيت المقدس، وودّعوها في حسرة قاتلة.

وطلب أهل المدينة الصلح، على أن يأتي أمير المؤمنين عمر بنفسه ليتسلم مفاتيح القدس، فاستجاب لهم المسلمون، وأقبل عمر، في حادث من أكبر الأحداث في تاريخ المدينة المباركة، وتسلم المدينة من بِطْرِيكها صفرنيوس.


حصار المسلمين بيت المقدس:


اعتاد من يسيطر على القدس منذ القِدَم أن يلفها بالأسوار، ويقيم حولها الحصون، حماية للمدينة الغالية من الغزاة والمغامرين. وقد عُثر في الأردن على خريطة ثمينة من القرن السادس الميلادي، تشرح وضع القدس في هذا الزمن، حيث بدت محاطة بسور فيه عدة أبراج ومجموعة أبواب، وفي الداخل تبدو المباني الفخمة، وأهمها الكنائس.

وحينما قَدِمَ عمرو بقواته سنة 637م وجد المدينة حصينة منيعة، قد احتمى بها الرومان، وليس من اليسير اقتحامها عليهم، فضرب الحصار حولها، وراح يبحث عن فرصة أو فرجة للدخول، ولكن مرت ثلاثة أيام دون أن يجد شيئا من ذلك، فاستجمع قوته وتقدم نحو الأسوار، فأمطرهم الروم بالنبال، والمسلمون يصدونها بتروسهم.

وقدمت إلى عمرو معونات من القادة الآخرين بالشام، فلم يمر يوم إلا وقع فيه قتال، حتى مرت أربعة أشهر، لم يزل المسلمون فيها على القتال والحصار وأهلُ بيت المقدس لا يظهرون من قلوبهم همًا ولا جزعًا .. ليس غير المنجنيقات الضخمة ترمي بالحجارة فوق القوى المحاصِرة من المسلمين، ويحتمون داخل أسوارهم معهم السيوف والدروع ..

إلا أن طول الفترة، وصبر المسلمين العجيبَ بالرغم من البرد الشديد ـ كانت كفيلة بأن تحبط الروح المعنوية للروم، فتراجع أرطبونُ بقواته إلى مصر. ودعا أهلُ القدس إلى طلب المصالحة، فسار إليهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وصالحهم.


الفاروق عمر يسير إلى القدس:


جاء إلى عمر بن الخطاب في المدينة كتاب من أمير الفتوح في فلسطين عمرو بن العاص، يبشره بنعمة الله، وانهزام بقايا الروم في الشام، وأن أهل إيلياء (القدس) اشترطوا أن يسلّموا المدينة إلى أمير المؤمنين نفسه، فراح عمر يعد للسفر عدته، من الرفيق والزاد والراحلة، وسافر السفر الطويل، يقطع المراحل والأميال.. وعلى أبواب الشام لقي قواده في الجابية، واطمأن على حال المسلمين في بلاد الشام.

وبينما عمر في الجابية إذا بجماعة من الروم بأيديهم سيوف مسلولة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح، فقال عمر: إن هؤلاء قوم يستأمنون، فساروا نحوهم، فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان والصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه، فأجابهم ـ رضي الله عنه ـ إلى ما سألوا، ثم واصل مسيره في جماعة من الصحابة ووجوه المسلمين نحو بيت المقدس.

وجاء وقت الصلاة، فتوجه أمير المؤمنين وصحبه إلى القبلة، وهم يقفون على قمة جبل يشرف على القدس، وعلا صوت عمر بن الخطاب بالتكبير، ومنذ ذلك اليوم سمى الجبل بجبل المكبِّر.


حال عمر عند سيره إلى بيت المقدس:


كان في ذاكرة عمر، وهو مرتحل من المدينة إلى بيت المقدس، أنه مسافر من مدينة النبي إلى مدينة الأنبياء، وهو حال يستوجب التواضع والهيبة، فظهرت على أمير المؤمنين في هذه الرحلة علامات عبقرية الأمير، الذي يزداد بتواضعه رفعة وسموّا.

كان هو وخادمه يتناوبان ركوب دابة واحدة في طريقهما التاريخي من المدينة إلى بيت المقدس، حتى إذا أتعب السير أحدهما ترجَّل له صاحبه عن بعيره ليركبه، وعلى مشارف القدس كان رفيق عمر هو صاحب الدَّوْر في امتطاء البعير، فأبى أمير المؤمنين إلا أن يركب صاحب الدور، وإلى جانبه سار الخليفة الفاتح على قدميه..

وقدم عمر الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، وتظهر رأس الأمير للشمس ليس عليه قلنصوة ولا عمامة، تهتز رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، معه كساء صوف يتخذه سرجا إذا ركب وفراشا إذا نزل، ومعه شملة محشوةٌ ليفا يتخذها حقيبة إذا ركب ووسادة إذا نزل، وعليه مرقعة من الصوف فيها بضع عشرة رقعة بعضها من جلد.

وعندما جاء ميعاد زيارة بيت المقدس وهمَّ الخليفة بالركوب بهيئته الزاهدة قال المسلمون: يا أمير المؤمنين، لو ركبت غير بعيرك جوادًا، ولبست ثيابًا لكان ذلك أعظم لهيبتك في قلوب القوم، فقال: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً". لكنهم أقبلوا يسألونه ويطوفون به إلى أن أجابهم إلى ما يريدون، ونزع مرقعته، ولبس ثيابًا بيضاء وطرح على كتفه منديلاً من الكتان ليس جديدًا ولا بالخَلِق، دفعه إليه أبو عبيدة وقدّم له بِرْذَوْنًا أشهب (وهو نوع من الحمير الكبيرة) من براذين الروم، فلما صار عمر فوقه جعل البرذون يَحْجِل، فنزل عنه مسرعًا، ثم صاح: أقيلوني أقال الله عثرتكم يوم القيامة، لقد كاد أميركم يهلك مما داخله من الكبر، وإني سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من الكبر".. فأُتى بجمله فركبه.

وحين قدم عمر الشام عرضت له مخاضة ماء، فنزل عن بعيره ونزع موقيه (وهو ما يلبس فوق الخفين)، فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه البعير، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيمًا عند أهل الأرض، فضرب عمر صدره برفق، وقال: "أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله".







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 01:49 PM رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
أمان
عضو ملكي
 
الصورة الرمزية أمان
إحصائية العضو






 

أمان غير متواجد حالياً

 


افتراضي


لقد اجتازوا بقيادة زعيمهم "موسى " صحراء سيناء حاولوا في بادئ الأمر دخول فلسطين من ناحيتها الجنوبية ،
فوجدوا فيها قوما جبارين
فرجعوا إلى موسى وقالوا له اذهب" أنت وربك فقاتلا ، أنا هاهنا قاعدون "



من الجيد ان نجد توثيقا عن تاريخ قدسنا
فيبقى مرجعا لطلاب العلم
ويبقى للك يا ابو فراس بصمة مميزة







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 01:50 PM رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 12


أيام عمر في بيت المقدس:


جاء دخول أمير المؤمنين القدس يوم الإثنين ملبيًا، وأقام بها حتى يوم الجمعة، فاستقبله زعماء المدينة وعلى رأسهم البَطريرك صفرنيوس الذي تولى شرح تاريخ المشاهد الدينية بالمدينة للخليفة عمر الذي طلب مشاهدة الأماكن المقدسة .. كان ذلك وسط مشاهد الاندهاش من سكان المدينة، وفي حضور قادة الجند المسلمين ووجوه الناس...

كان عمر حريصا في تلك الزيارة على مشاهدة معالم المدينة التي كان يحمل لها صورة أخذها عن الرسول الكريم الذي وصف المدينة للناس عقب معجزة الإسراء.. وتكرر وقوف الركب في عدة أماكن التبس على البطريق نفسه أنها المسجد الأقصى، خاصة أن موقع المسجد الأقصى والصخرة المقدسة قد تعرض للعبث والإهمال أثناء الاحتلال الروماني للقدس، وغدا بقعة تغطيها القمامة، انتقاما من اليهود الذين أهانوا كنيسة القيامة عند احتلال الفرس للقدس..

وحين اقترب الركب من هذا المكان بدأ الخليفة فحص معالمه، وتأكد أنه المكان المبارك .. عندها راح الخليفة العظيم في تواضع يجمع القمامة، ويذهب ليلقيها في وادي قدرون الواقع في شرق المكان، فاقتدى به المسلمون، حتى طَهُر المكان وتطهر واتضحت معالمه، كما ظهرت الصخرة المباركة.

وحين بدا محراب داود صلى عمر ـ رضي الله عنه ـ بالمسلمين صلاة الصبح، فقرأ في الركعة الأولى سورة [ص] وسجد فيها والمسلمون معه، كما سجد داود من قبل، وفي الركعة الثانية قرأ سورة الإسراء..

وبنى عمر المسجد العمري الذي كان يؤمه المسلمون من أهل المدينة المقدسة، والقادمين إليها للزيارة عبر الزمان، حتى جدده الأمويون في عهد عبد الملك بن مروان..

وكان عمر قد رفض الصلاة في موضع بكنيسة القيامة، حين عرضها عليه البطريق صفرنيوس، صيانة لخصوصيات أصحاب الكنيسة، حتى لا يبني المسلمون مكانها مسجدًا، مدعين أنه مكان صلى فيه أمير المؤمنين ..


بيت المقدس من الفتح العمري إلى نهاية عهد الخلفاء الراشدين:


قبل أن ينصرف عمر بن الخطاب عن الشام، بعد أن تسلم مفاتيح بيت المقدس ـ راح ينظم البلاد إداريا، ويوزع السلطات بين أمراء المسلمين، فجعل الإمارة العامة في الشام في يد أبي عبيدة بن الجراح، ووقعت القدس ضمن إمارة يزيد بن أبي سفيان، الذي أمره الخليفة بالرجوع في أموره إلى قائده العام أبي عبيدة..

ولكن ما لبث طاعون عمواس أن اجتاح فلسطين وما جاورها عام السابع عشر من الهجرة، حيث مات عدد كبير من عامة المسلمين ووجهائهم وقادتهم، كأبي عبيدة ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان..

وبوفاة يزيد نقل عمر ما تحت يديه من السلطة إلى أخيه معاوية، وصارت القدس بذلك تحت سلطة أمير جديد من بني أمية..

وجاء أمير المؤمنين الثالث عثمان بن عفان من البيت الأموي أيضا، مؤكدا أن الإسلام يصطفي الرجال على اختلاف مشاربهم ومواهبهم، فأقرّ عثمانُ معاويةَ على الشام، اقتداء بعمر الذي أدرك موهبة الفتى الهمام مبكرا.

وإذا كان عثمان قد عُرف بالكرم والجود، حتى اشترى للمسلمين بالمدينة المنورة بئر رُومة من طيب ماله، وبثمن كبير ـ فإن القدس وأهلها أيضا قد نالتهم نفحة من جود عثمان، حيث وقف على ضعفاء أهل المدينة المقدسة عين ماء تسمى "عين سلوان"، وهي عين غزيرة تسقي الكثير من الجنان، وقيل إن عثمان وقف الحدائق التي تسقيها هذه العين على نفع المسلمين أيضا.

وبعد عثمان ـ رضي الله عنه ـ بقيت السلطة على بيت المقدس، وعلى الشام كله، في يد معاوية بن أبي سفيان. وحتى حين تولّى علي بن أبي طالب إمارة المؤمنين، ودخل في نزاع شديد مع والي الشام معاوية، فإن أمير المؤمنين لم يستطع السيطرة على بيت المقدس، وظلت في يد معاوية إلى أن قامت الدولة الأموية، وبويع معاوية بالخلافة في القدس عام أربعين من الهجرة.
بنو أمية والقدس:


تنافس هاشم بن عبد مناف وأخوه عبد شمس جد بني أمية في الجاهلية على الشرف والسيادة، فتفوق هاشم، وحاز قَصْبَ السَّبْق، وأصبح أحق بالرياسة على قريش.. وفي نفس الوقت تفرغ أخوه للتجارة حتى برع فيها، وتجول بتجارته في كثير من البلاد، وورث أبناؤه عنه ذلك..

وفي رحلة له إلى بلاد الشام توفي هاشم، ودُفن في غزة على مقربة من بيت المقدس، وأدرك الأجل أخاه عبد شمس أيضا، وهو صاحب معرفة جيدة بمدن الشام وقراه، فظلت المنافسة بعدهما، على كل أنواع الرياسة والسيادة، شديدة بين البيتين الهاشمي والأموي..

فلما بعث الله نبيه محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من بني هاشم، آمن به أناس من الفريقين، وكفر به أناس من الطرفين كذلك.. فلما انتصر الإسلام جمع الفريقين تحت ردائه، وعد العصبية للآباء والأعراق بقية من ميراث الجاهلية البغيض..

واستعمل المسلمون مواهبهم في العمل لدينهم، لا فرق في ذلك بين هاشمي وأُموي، حتى خضعت لهم أعظم بلاد الدنيا المعمورة حينئذ، ومنها مدينة بيت المقدس، التي استُشهد في الطريق إلى فتحها الكثير من عظماء الرجال من الهاشميين والأمويين وغيرهم..

ولم يمر وقت طويل حتى وقع الخلاف بين المسلمين بعد استشهاد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وقد كان قتل الأمير هو الفتنة التي تفرّق المسلمون لأجلها، إذ أصر فريق يقوده معاوية بن أبي سفيان على سرعة الثأر من المجرمين، في حين رأى علي بن أبي طالب أن ذلك ليس مأمون العواقب إلا حين تستقر أمور الدولة في يديه..

ولم ينته هذا الخلاف إلا حين قُتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شهيدا بيد أحد الخوارج، وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين، فآلت الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، لتبدأ فترة جديدة يعْرفها المؤرخون بـ "الدولة الأموية"..

واتخذ الأمويون كرسي ملكهم في بلاد الشام، حيث يجتمع أنصارهم، وبالتالي كانت القدس قريبة من عيونهم، فترك العديد من خلفاء بني أمية في المدينة المقدسة علامات خالدة وأعمالا كبيرة، لا زال العديد منها باقيا ـ بصورة من الصور ـ يشهد لهم، كما فعل عبد الملك بن مروان وابنه الوليد ، ومثلما صنع سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز..

وقد بويع في القدس بإمارة المؤمنين للعديد من خلفاء بني أمية، مثل معاوية بن أبي سفيان والوليد وسليمان ابني عبد الملك.

وحفظ التاريخ لنا وصفا جميلا للمدينة المقدسة أثناء الحكم الأموي.


وصف القدس في زمن بني أمية:


معاوية بن أبي سفيان من الشخصيات الكبيرة التي شهدت انتقال القدس إلى السيادة الإسلامية، فكان من أفراد الركب المسلم الذي التف حول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يتسلم مفاتيح بيت المقدس من بطريرك المدينة صفرنيوس..

ولم يكن معاوية حاضرا عاديا لهذا المشهد الكبير، بل كان أحد الشهود على وثيقة العهد الذي كتبه عمر لأهل بيت المقدس..

وحين صارت الخلافة إلى معاوية سنة إحدى وأربعين للهجرة، كانت القدس تعرفه ويعرفها، إذ مكث زمنا طويلا أميرا عليها وعلى الشام كله.

وقد وصف المؤرخون القدس تحت ظلال الأمويين فقالوا: "كان للقدس يومئذ سور، وكان على ذلك السور أربعة وثمانون برجًا، وله ستة أبواب، ثلاثة منها فقط يدخل الناس منها ويخرجون: واحد غربي المدينة، والثاني شرقيها، والثالث في الشمال. وكان يؤم المدينة، في اليوم الخامس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من كل سنة، جماهير غفيرة من مختلف الأجناس والأديان بقصد التجارة، ويقضي هؤلاء فيها بضعة أيام. وكان فيها مسجد مربع الأضلاع، بُني من حجارة وأعمدة ضخمة نقلت من الأطلال المجاورة. وهو يتسع لثلاثة آلاف من المصلين. والمعتقد أن هذا هو المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب. وكان جبل الزيتون مغطى بأشجار العنب والزيتون. وكان سكان بيت المقدس يومئذ يأتون بالأخشاب التي يحتاجون إليها من أجل البناء والوقود، تنقل على الجمال من غابة كثيفة واقعة على بعد ثلاثة أميال من الخليل إلى الشمال".


القدس في عهد عبد الملك والوليد:


يُعد عبد الملك بن مروان المؤسس الحقيقي للدولة الأموية، فقد أنقذها من الانهيار، وانتصر على منافسه القوي عبد الله بن الزبير، حتى خضعت له الحجاز والعراق، وانفرد بالحكم في العالم الإسلامي.

وقد جاء من بعده ابنه الوليد، فبلغت الدولة في عهده شأنا كبيرا، وكثرت الفتوحات حتى وصل المسلمون إلى أوروبا من جنوبها الغربي، وفتحوا الأندلس، كما توغلوا في آسيا إلى الشرق والجنوب، وفتحوا السند والهند..

ولعبد الملك والوليد في القدس أعمال خالدة، ما زال بعضها قائما إلى اليوم، فبناء المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة هما من أعمال عبد الملك والوليد وقد رصد عبد الملك لبناء قبة الصخرة وحدها خراج مصر سبع سنين، كما عبّد طريق القدس إلى الشام، وطريق القدس إلى الرملة.

وأما الوليد، فقد بويع بالخلافة ـ فيما يقال ـ على سطح الصخرة المقدسة، وواصل عمل أبيه في بناء المسجد الأقصى حتى أتمه، ورتب له الخدم والرعاة الذين يصونونه.


سليمان بن عبد الملك وبيت المقدس:


سليمان هو ثاني أبناء عبد الملك بن مروان الأربعة (الوليد وسليمان ويزيد وهشام) الذين تولوا الخلافة بعد أبيهم، وكان آخرُ مناصبه قبل مبايعته بالخلافة العامة (سنة ست وتسعين) هي الولاية على فلسطين..

وقد أعطى هذا المنصب لسليمان معرفة جيدة بفلسطين ومدنها، وعلى رأسها القدس والرملة، وكان محببا إليه الجلوس تحت قبة السلسلة بأرض الحرم القدسي الشريف.

وترجم سليمان حبه للقدس عقب توليه الخلافة بصورة أبهى من ذلك، فبويع على سطح الصخرة تحت القبة التي بناها أبوه، في مشهد مبهر، اجتمع فيه الناس حول الخليفة الجديد وإلى جانبه المال وكتّاب الدواوين.

وكاد سليمان أن يتخذ قرارا، هو الأول من نوعه في تاريخ المسلمين، بنقل العاصمة إلى بيت المقدس أو الرملة، وسيطرت على تفكيره حينئذ صورة نبي الله سليمان ـ عليه السلام ـ وهو يحكم مملكته القوية من بيت المقدس.. ولكن هذا الأمر لم يتحقق، ربما للموت السريع الذي أدرك سليمان بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين وهو في مرج دابق شمالي الشام.
العباسيون والقدس:


مع العباسيين بدأت العاصمة تنتقل شرقًا إلى العراق، حتى بنى المنصور بغداد هناك، فاختطفت الأضواء من كل مدن الدنيا، وبهذا تراجعت مكانةُ الشام ومدنِه عما كانت عليه في عصر الأمويين، وبرزت أسماء الكوفة وبغداد والبصرة ، بدلاً من دمشق وبيت المقدس والرملة.

وعلى الرغم من ذلك فقد اهتم العباسيون منذ بداية دولتهم (سنة مائة واثنتين وثلاثين للهجرة) بإدخال الشام وفلسطين تحت سلطانهم، لما لهذه المنطقة من أهمية بالغة، فدخلها صالح بن عليّ عمُّ الخليفة المنصور في نفس السنة، في خمسين ألف مقاتل، وضمها إلى التاج العباسي المنتصر.

وكان من نصيب الشام في بداية الدولة العباسية أن تقع تحت إمارة رجل من البيت الحاكم، تميز بالغلظة والشدة، وهو عبد الله بن عليّ الذي تَتَبَّع الأمويين في كل مكان من فلسطين والشام، وقتل الكثيرين منهم، وتسبب في ثورتهم ضد الخلافة الجديدة في دمشق وقِنَّسْرين؛ حيث وُوجِهُوا بشدة بالغة.

وعقب تولي المنصور للخلافة سنة مائة وست وثلاثين، ثار عمُّه عبدُ الله بنُ عليّ ضده في الشام، وسار عبد الله على نهجه السابق في الغلظة والشدة، واستقل بالشام عن الدولة، مدعيًا أنه أحق بالخلافة من المنصور ابن أخيه، وحين لم يستجب لنداءات المنصور السلمية، بعثت إليه الخلافة جيشًا كبيرًا انتزع منه الشام، فصارت بيت المقدس تحت تاج الخلافة العباسية المستقرة.

ومنذ استقرت الأمور للبيت العباسي تعود الخلفاء تفقد مدن الشام، وزيارة بيت المقدس، كما فعل المنصور حين خضعت له الشام. وانصب اهتمامهم في الغالب على المسجد الأقصى، فرَعَوْه واهتموا به، وتابعوا ترميمه وبناءه، كما فعل المنصور والمهديُّ والمأمون.

ومن القضايا العباسية الأخرى ذات الصلة ببيت المقدس، علاقة الخلافة بالمسيحيين من أهل القدس، وتأثر وضع المدينة بالتقلبات السياسية في عموم الدولة حينما ضعفت حتى خضعت القدس للطولونيين، ومن بعدهم للإخشيديين، ثم الفاطميين.


.







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 01:57 PM رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 13


علاقة العباسيين بأهل الذمة في القدس:


في الصراع الأموي العباسي وقف أهل الذمة في بيت المقدس على الحياد، فهو صراع "لا ناقة لهم فيه ولا جمل"، فبقيت أمورُهم مستقرة، يزاولون حياتهم وعقيدتهم بحرية، على الصورة التي تعهد لهم بها المسلمون منذ الفتح العُمَرِيِّ للقدس.

فلما تولى المهدي الخلافة سنة مائة وثمان وخمسين للهجرة، اعتنى بمواجهة البِدعة والانحراف العقائدي في صفوف المسلمين، ونفى إلياس الثالث بطريرك بيت المقدس إلى بلاد فارس؛ لعصبية دينية ظاهرة من البطريرك نحو دينه، كما أسكن "المهدي" المسيحيين من أهل القدس في حي واحد بالمدينة.

وفي عهد الرشيد بلغت الدولة ذروةَ مجدِها، وصب هذا في اتجاه تحسين معاملة الدولة لأهل الذمة بصورة كبيرة في بيت المقدس وعموم الدولة.

وأكثر من ذلك سمح الرشيد للإمبراطور شارلمان بترميم كنائس المدينة، وتعهد الخليفة بحماية الحجيج من النصارى الذين يَفِدُونَ إلى بيت المقدس لزيارة أماكنِهم المقدسة.

وتبادلت وفودُ الرشيد ـ الذي كان يحكم أكبر ممالك الدنيا في هذا الزمان ـ ووفودُ شارلمان ـ الذي كان يحكم جزءًا كبيرًا من غرب أوروبا وجنوبها ـ تبادلت هذه الوفود الزيارات في رحلات طويلة ومتتابعة، وفي إحدى هذه الزيارات إلى بغداد منح أميرُ المؤمنينَ هارون الرشيدُ الوفدَ المسيحيَّ مفاتيحَ كنيسة القيامة ـ أكبر أثر نصراني في القدس ـ ليسلموها إلى سيدهم شارلمان.
الطولونيون والسيطرة على القدس:


بعد انقضاء عصر الخلفاء العباسيين العظام، بدأت سيطرة خلفائهم على الدولة تضعف، وكان ذلك بعد انقضاء قرن واحد من عمر الدولة، أي في سنة مائتين واثنتين وثلاثين، ومن هنا كثُرت انشقاقاتُ القادة واستقلالُهم عن الدولة، وأصبح ذلك غير قاصر على الأطراف، وإنما امتد ليصل إلى القلب، حتى صار مقام الخليفة يشبه المنصب الشرفي في كثير من الأحيان.

ومن القادة الذين اجترءوا على الاستقلال ببعض أجزاء الدولة أحمد بن طولون، الذي كان أبوه رجلاً تركستانيًا اصطفاه المأمون في الخدمة، حتى صار قائدًا للحرس الخلافي. وورث أحمد عن أبيه القرب من العباسيين، واستغل فرصةَ ضعف الدولة، فاستقل بمصر، وسيطر معها على الشام، وأقام دولة لأسرته، يتوارثون فيها المُلك عن بعضهم بعضا.

وقد سيطر ابن طولون على القدس عام مائتين وخمسة وستين من الهجرة، ووطد سلطانه في الشام، بعد أن وطده في مصر.

وفي عهد ابن طولون عانى نصارى بيت المقدس من بعض المتاعب، فقد مُنعوا من لبس الدروع إلا بشروط، وحُظر عليهم ركوبُ الخيل.

كما وقع خلاف حاد بين بعض القبائل العربية المقيمة في فلسطين، فاقتتل بنو لخم وبنو جذام في عهد ابن طولون قتالاً شديدًا.

لقد كان وضع القدس في فترة الحكم الطولوني خاملاً بوجه عام، حتى خرجت من أيديهم بعد حكم دامَ سبعةً وعشرين عاما فقط، وبعدها بقليل دخلت المدينة تحت سلطة الإخشيديين.



القدس تحت سلطة الإخشيديين:


بعد ضعف أمر الطولونيين، عيَّنَ الخليفة العباسيُّ "القاهرُ بالله" فارسًا وقائدًا يدعى محمد بن طغج واليًا على مصر والشام سنة ثلثمائة وسبع وعشرين للهجرة، وتلقب بـ "الإخشيد"، لكنه استقل بالمنطقة تحت سلطانه، وكون دولة يتوارث أبناؤه الملك فيها.

وكانت لهذه الدولة علاقة قوية بالقدس، تدل على مكانتها الخاصة في نفوس أمرائها، فقد سيطر محمد بن طُغج الإخشيد عليها وعلى جميع الشام سنة ثلثمائة وثلاثين للهجرة، وبعدها بأربع سنوات حضرته الوفاة في دمشق، فأوصى بأن يدفن في القدس، وقيل إنه توفي في القدس ودفن فيها أيضا.

وتتابع أمراء الإخشيديين بعد مؤسس الدولة، وكلهم يعشق تراب القدس، ويوصي عند حضور أجله بأن يدفن فيها، حدث ذلك مع أنوجور بن محمد الإخشيد سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وتكرر مع أبي الحسن بن محمد الإخشيد سنة أربع وخمسين وثلثمائة للهجرة، حيث دفن إلى جوار أبيه وأخيه في تراب بيت المقدس.

وجاء كافور الإخشيدي، وكان من رجال الدولة من خارج البيت الحاكم، فسيطر على شئونها، وخُطب له فوق منابر القدس ومصر والحجاز والشام والثغور، لكنه لم يلبث أن توفي هو الآخر سنة خمس وخمسين وثلثمائة، ودفن في ثرى بيت المقدس.

ويسجل التاريخ أن والي بيت المقدس أيام كافور، ويسمى محمد بن إسماعيل الصُّنْهَاجِيّ، خالف سنة المسلمين في معاملة أهل الكتاب، فأحرق أتباعُه كنيسة القيامة، حتى سقطت قبتها، ونهبوا "كنيسة صهيون" وأحرقوها، وكانت لليهود في ذلك يَدٌ، حتى هدموا وخربوا من ممتلكات النصارى في القدس أكثر مما فعل الوالي وأتباعه.

وبوفاة كافور انهارت الدولة التي لم تجد رجلاً قويًا من البيت الإخشيدي يضبط شئونها، فحل الفاطميون محلهم، وسيطروا على مصر والشام والحجاز.

القدس تحت سيطرة الفاطميين:


أُتيح للعديد من الاتجاهات الشيعية أن تقيم لنفسها دولا في فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي، كالزيدية في اليمن، والصفوية في إيران، والفاطمية في القاهرة .. إلا أن الأخيرة هي أشهر هذه الدول، وقد قامت على أشد المذاهب الشيعية تطرفًا، وهو المذهب الإسماعيليّ، وبدأت مسيرتها من المغرب، ثم زحفت شرقا حتى دخلت مصر والشام، وجنوبا حتى استولت على الحجاز واليمن..

وأُتيح للدولة الفاطمية أن تكون إحدى الدول التي عاشت القدس في كنفها زمنا، فاستولوا على المدينة المقدسة سنة ثلثمائة وتسع وخمسين للهجرة، وخُطب من فوق منابر القدس للخليفة الفاطمي دون خلفاء بني العباس القابعين في بغداد، وسعى الفاطميون إلى نشر دعوتهم وبث دُعاتهم في القدس، وأنشأوا دارا علمية لهذا الغرض، على شاكلة دار الحكمة التي شيدوها في قلب القاهرة؛ لنشر مذهب الدولة وتأصيله في مصر.

واهتم خلفاء الفاطميين بمتابعة إعمار المسجد الأقصى عند تعرضه للزلازل وما شابهها، كما كانت لهم سياسات متضاربة تجاه نصارى بيت المقدس ومقدساتهم.

وقد حفظ لنا التاريخ أوصافا ذات قيمة كبيرة لمدينة القدس في ظلال الحكم الفاطمي.

وبعد أكثر من قرن من التواجُد الفاطمي في القدس، جاءت الدولة السُّلْجُوقِيّة الفَتِيَّة سنة أربعمائة وثلاث وستين لتزيح الفاطميين عن المدينة المقدسة، حيث أُعيدت الخطبة فيها باسم الخليفة العباسي.

ودخل الفاطميون والسلاجقة في نزاع ساخن على القدس والمنطقة، مما أدى إلى إضعاف قوى الطرفين، ومُنع الحج المسيحي إلى القدس زمنا وهو الأمر الذي استغلته الدعاية الصليبية لشن الحرب على المنطقة.

وإذا كان الخليفة الفاطمي المستعلي قد أفلح في استرداد القدس من يد السلاجقة سنة أربعمائة وتسع وثمانين للهجرة، فإنها لم تمكث في يده طويلا، حيث سقطت أمام الإعصار الصليبي في شعبان من سنة أربعمائة واثنتين وتسعين، وخرجت لأول مرة من يد المسلمين منذ الفتح العمريّ لها.



موقف الفاطميين من نصارى القدس:


لم تكن أفعال الحاكم بأمر الله مصدر معاناة للمسلمين وحدهم، بل ألحقت أضرارًا كثيرة بأهل الذمة أيضًا، فهذا الحاكم المتناقض كان يتخذ القرارات الغريبة، ثم يُتبعها بما يناقضها، حتى لم تعد الرعية تدري ساعاتِ رضاه من ساعات غضبه!

تجرأ الحاكم وزاد، لأول مرة، على الوثيقة العمرية التي تضمنت شروط الصلح مع أهل بيت المقدس، وتعسف في هذه الزيادة، فاشترط على النصارى "تعليق الصلبان على صدورهم، وأن يكون الصليب من خشب زنته أربعة أرطال، وعلى اليهود تعليق رأس العجل زنته ستة أرطال. وفي الحمّام يكون في عنق الواحد منهم ـ من اليهود والنصارى ـ قِرْبةٌ زنة خمسة أرطال، بأجراس، وألا يركبوا الخيل".

ولم يقف الحاكم عند هذا الحد من الاشتداد في معاملة أهل الذمة، فأمر في سنة ثلثمائة وثمان وتسعين بتخريب كنيسة القيامة، "وأباح للعامة ما فيها من الأموال والأمتعة"، و "أرغمهم على لبس السواد، ومنعهم من الاحتفال بعيد الشعانين".

واستغل الحاكم الشروط الصعبة التي زادها على النصارى، فنُودي في القدس وغيرها من أنحاء الدولة: "من أحب الدخول في دين الإسلام دخل، ومن أقام منهم على دينه فليلتزم بما شُرط عليهم".

وفي انقلاب مفاجئ التزم الحاكم جانب الرفق والمسامحة في معاملة نصارى بيت المقدس وغيرهم، ورفع ما زاده عليهم من شروط، وسمح لهم بتعمير كنيسة القيامة، بل قيل: إنه عمرها على نفقته الخاصة، وأَذِنَ لمن أسلم منهم مُكْرَهًا أن يعود إلى دينه إن شاء.

وقيل إن الحاكم ظل على اضطهاده لأهل الذمة، لم يخفف عنهم إلا قليلاً حتى هلك، فلما تولى ابنه الظاهر سنة إحدى عشرة وأربعمائة، سمح للناس بأن يرجعوا إلى عقائدهم، ويبنوا كنائسهم التي هدّمت.

كانت هذه هي سيرة الحاكم بأمر الله في نصارى الذمة ببيت المقدس، في حين كانت لأبيه العزيز بالله معهم سيرة أخرى، فقد صاهر بطريرك بيت المقدس، وأقام على فلسطين والقدس واليًا نصرانيًا، هو: أبو اليمن قزمان بن مينا الكاتب، الذي انقلب على الدولة، وهرب بمال كثير حين وقع القتال بين الفاطميين وجنود الشام.

ومما أصاب المسلمين في عهد الحاكم بن العزيز من أفعال غريبة، أنه فرض على الناس إذا ذكر الخطيب اسم الحاكم يوم الجمعة على المنبر، أن يقوموا صفوفًا إعظامًا لاسمه، وعمَّمَ ذلك في مملكته، حتى في الحرمين الشريفين وبيت المقدس.


وصف القدس في زمن الفاطميين:


بدت القدس الفاطمية في أعين الرحالة مدينة كبيرة، معتدلة الجو: ليست شديدة البرد، ولا شديدة الحر.. بناياتها من الحجر الجيد، قد أُتقن تشييدها إتقانًا، وامتاز عيشها بالطيب، وأهلها بالعفاف. وأرضها مبلَّطة بالحجارة، وحين ينزل المطر يغسلها غسلاً.

وماء بيت المقدس أعذب وأنقى من أي ماء آخر، إذْ يأتي من المطر مباشرة ومن العيون، وعلى بعد ثلاثة فراسخ من المدينة وضع صهريج كبير ينحدر إليه ماء المطر من الجبل ويتجمع فيه، وأوصلوا هذا الماء إلى المسجد الأقصى في قناة، وجعل الناس في بيوتهم أحواضًا لجمع ماء المطر لحاجاتهم ومعايشهم، وحتى حمَّامات المدينة نفسها، اعتمدت في مائها على هذا الماء الذي ينزل من السماء.

ومن العيون المقدسيّة التي تجود بالماء العذب، عينُ سلوان التي تنبع من الصخر، وقد أقيمت عندها في هذا الزمن بنايات كثيرة.

وكما في كل زمان، شغل المسجد الأقصى قطب الرحَى الذي تدور المدينة حوله، وقد اعتنوا بأن يكون لكل مَحِلَّة باب يؤدي بها إلى المسجد المبارك، فبلغ عدد الأبواب تسعة، مثل: باب النبي بالجدار الجنوبي بجوار القبلة، والباب الشرقي المسمى "باب العين" الذي يؤدي إلى منحدر فيه عين سلوان...

وبدا المسجد الأقصى وسط بنايات المدينة كبيرًا، وكثرت مشاهد الصالحين وقبورهم في المدينة المباركة، كما بدت سوق القدس نظيفة منظمة، تزاول فيها أعمال البيع والشراء بصورة حسنة.

وكان "في بيت المقدس حينئذ - مستشفي عظيم، عليه أوقاف طائلة، ويصرف لمرضاه العديد من العلاج والدواء، وبه أطباء يأخذون مرتباتهم من الوقف".

وبالرغم من كثرة سكان المدينة في هذا الوقت، أكثر من عشرين ألفًا، فقد كانت مقصودة للزيارة من غير أهلها، وفيها الحاذقون من الأطباء، والمهرة من الصناع، الذين انفردت كل طائفة منهم بسوق خاصة بها.

لكن المدينة كانت لا تخلو من عيوب في عيون من رآها في هذا الزمن (القرن الرابع الهجري) ـ على عكس حالها في أغلب تاريخها الإسلامي ـ فحماماتها قذرة، وعلماؤها قليلون، وفقهاؤها مهجورون، يقل قاصدوهم من طلبة العلم، وأدباؤها لا يجدون من يشهد إبداعهم، والسلع غالية لما يفرَض عليها من الضرائب. كما أنه "ليس للمظلوم فيها أنصار"!



.







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 02:19 PM رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تابع القدس عبر العصور 15


الاحتلال الصليبي لبيت المقدس:


في الوقت الذي جاء فيه الصليبيون إلى القدس، لم يكن ممنوعًا على أي مسيحي من أنحاء الدنيا أن يأتي إلى المدينة المقدسة ليحج إلى المواضع التي يقدسها، ككنيسة القيامة، وكنيسة المهد، وكنيسة ستنا مريم، بل كان الطريق دائما مفتوحًا وميسرًا أمامه، سواء أتى من صقيع أوروبا أو من البلاد القريبة المحيطة ببيت المقدس.

وقد أتى بطرس الناسك من جنوب القارة الباردة البائسة حينئذٍ أوروبا، في هيئةٍ رَثَّةٍ، يركب حمارًا، مخترقًا الطريق نحو بيت المقدس، وهناك قضى مناسكه وأدى طقوسه الدينية، وكانت كنيسة القيامة التي خربها الحاكم قد أعيد إعمارُها، فزارها، ولكن قلبه بدلاً من أن يرجع شاكرًا لهؤلاء الذين أتاحوا له فرصة الحج إلى المواضع التي يقدسها، رجع بشيء آخر.

اغتاظ بطرس الناسك ـ وهو رجل دين مسيحي غربي ـ من وقوع كنائس المسيحية وأماكنها المقدسة تحت سيطرة المسيحيين العرب الذين يخالفونه في المذهب والنظرة إلى المسيح، وزاد من غيظه وحقده أنْ تقع مدينة بيت المقدس، مدينة المسيح، تحت سيطرة المسلمين الكفار ـ في رأيه!

وفي طريق العودة راح بطرس الراهب في نوبة من التفكير العميق، حتى شُغل عن رفاقه من الحجيج، وتقلبت في رأسه أفكار وأفكار، حتى قرر أنه لابد من السيطرة على بلد المسيح، وأفضل طريق إلى ذلك تحريض الكنيسة لأوروبا وملوكها على غزو الشرق الإسلامي، وهو التحريض الذي قام به البابا أوربان الثاني منطلقًا من فرنسا.

واستمعت أوروبا إلى خطاب البابا، وتردد صداه في كل أنحاء القارة، واجتمع له الملوك وأصحاب النفوذ، وأعدوا جحافل من القوات والمقاتلين، حتى هبطوا على بلاد الإسلام في الحملة الصليبية الأولى، التي نجحت في الاستيلاء على بيت المقدس سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وأقامت إمارة بيت المقدس الصليبية.

وفشل المسلمون في صد العدو الزاحف من الغرب لأسباب عديدة، وجاءت الهزيمة نذيرًا شديدًا لهم، ولم يَطُل الزمن حتى تنبه أُولُو الغيرة والدين من المسلمين إلى خطورة الوضع، وسعوا إلى دحر الصليبية، واستخلاص بلاد المسلمين من بين أيديها.


تحريض الكنيسة للأوروبيين:


لم يكن يخفَى أن هنالك مضايقات تعرض لها حجاج المسيحية إلى بيت المقدس أثناء الصراع الساخن بين السلاجقة والفاطميين للسيطرة على بلاد الشام، حتى منع الحج المسيحي وتوقفت الزيارات فترة من الزمن ـ إلا أن الكنيسة البابوية في فرنسا بالغت في تضخيم هذه الحوادث الطارئة، وقامت بحملة شعواء تحرض فيها أوروبا على حرب الكفار من المسلمين!

ففي نوفمبر عام ألف وخمسة وتسعين للميلاد، وقف البابا أوربان الثاني في كاتدرائية مدينة "كليرمونت" جنوب فرنسا يخطب في جموع النصارى، يحرض أوروبا كلها ضد المسلمين فقال: "لقد دخلت الكلاب إلى الأماكن المقدسة، وجرى تدنيس المقدسات، وإذلال الناس عبدة الرب.. كما أن كنيسة القيامة تتحمل حكمهم، وقد دنستها قذارة الذين ليس لهم نصيب في القيامة..".

وزاد في دَغْدَغَة العواطف الملتهبة للجموع من حوله، وقال: "سلِّحُوا، أيها الإخوة، أنفسَكم بغيرة الرب، وشُدُّوا أحزمة سيوفكم على أوساطكم، أيها الجبارون .. فمِن الأفضل أن نستشهد من أن نرى مصائب قومنا ومصائب أقداسنا...".

ودعا البابا الجموع المنصتة إليه، في لحظة تاريخية خطيرة وفاصلة، إلى غزو الأرض التي تفيض "لبنًا وعسلاً" حتى تقوى عزيمة الجميع في طلب الدنيا، إن لم تكن لديهم عزيمة لخدمة دينهم!

وقال بطرس الناسك: "إني نظرت قبر المسيح محتَقَرًا مُهانًا، وزوَّارُه مضطهدون"، فنادى الحاضرون بالحرب قائلين: "الله يريد ذلك"!

وراح أتباع البابا ينتشرون في الشارع الأوروبي، يدعون الناس في خطاب مثير إلى إنقاذ الأرض المقدسة، واسترجاعها من يد المسلمين الذين اغتصبوها، وأهانوا ما فيها من المقدسات ـ كما أشاعوا…

وسار هذا الخطاب الدعائي، الذي لم يهتم بالتزام الحقيقة، في أنحاء أوروبا، ووصلت مخاطبات البابا للملوك والأمراء في أوروبا تحرضهم على الخروج مع الجموع الذاهبة لتخليص "بلد المسيح" ! فقد كانت القدس ـ كما بدا ـ هي مقصدهم وهدفهم، لكن لعابهم سال للخيرات التي تمتلئ بها مدن الشام المحيطةُ ببيت المقدس، فاحتلوا العديد منها أيضًا، وبدا أن وراء الحرب أهدافا أخرى خفية.


دوافع الحروب الصليبية:


في دعوتها لشن الحروب الصليبية، نجحت البابوية في تصويرها على أنها حرب مقدسة، لتخليص بلد المسيح من يد "الهمج" المسلمين، وركَّز الخطاب البابوي على ذلك، مستغلاً العاطفة الدينية لدى نصارى الصقيع الأوروبي.

لقد بدا الدين دافعًا ظاهريًا لشن "حرب (أوروبية) مقدسة" ضد المسلمين، أخذت اسمها عند الأوروبيين أنفسهم من أحد الرموز الكبرى في العقيدة النصرانية في الشرق والغرب، وهو الصليب.

لكن كان هذا هو الدافع الظاهر فقط، وإن كان له تأثير ضخم في إشعال حماس العامة الذين دُعوا إلى الخروج للحرب في الشرق.


أما الدوافع الحقيقية والعميقة لشن الحروب الصليبية، فهي:

ـ توسيع سلطة البابا بالسيطرة على الأماكن المسيحية المقدسة في الشرق، وإلغاءِ السيطرة المسيحية الأرثوذكسية هناك، ونجدة البيزنطيين الذين تعرضوا لانكسارات وهزائم متعددة أمام السلاجقة، وهو أمر يتيح للبابا قيادة الكنيسة المسيحية في كل مكان، حتى في الدولة البيزنطية.

ـ شَغْلُ الأمراء والإقطاعيين الأوروبيين بالحرب في الشرق، بدلاً من التقاتل الداخلي فيما بينهم.

ـ الانتفاع بما في الشرق من ثراء لإنعاش الحياة الأوروبية، فالبلاد التي يتوجه إليها الغزاة الصليبيون تفيض "لبنًا وعسلاً"!
الحملة الصليبية الأولى:


ما لبثت الدعاية البابوية لشن حرب شرسة في الشرق، أن آتت أكلها، على مستوى الأمراء وعلى مستوى الجماهير، واتفقوا على الالتقاء والتجمع في نقطة من الشرق الأوروبي على شواطئ بحر مرمرة وهي القسطنطينية.

وخرجت الجموع عشرات الآلاف، من فرنسا وإيطاليا والنمسا والمجر وألمانيا وبولنده، يقودهم الرهبان، وأمراء الإقطاعات والممالك الأوروبية، وتقدم الجميع وسبقهم في طريق البر الراهب بطرس الناسك، يلبس ثيابًا مهلهلة، ويسير حافي القدمين، ممسكًا بالإنجيل والصليب، وحوله حشود كبيرة من الناس، فيهم الرجال والنساء والأطفال ـ خرج بهم من ألمانيا في مايو عام ألف وستة وتسعين للميلاد (أربعمائة وتسعين للهجرة).

ولم يَبْدُ على بطرس ومن معه أنهم يصلحون لخوض حرب ضد المسلمين، فما هم إلا رعاع وغوغاء دفعتهم الحماسة الكاذبة إلى ما لا يطيقون، بل هم ـ على حد تعبير المؤرخين الغربيين: "جماعات من الأفاقين لا يَستحقون مشاهدةَ قبر المسيح"!

وعبروا المجر وبلاد البلقان صوب القسطنطينية، فنهبوا البلاد والقرى، ونال القسطنطينيةَ منهم شرٌّ كثير، "فأحرقوا القصور، ونهبوا الكنائس". فبعث الإمبراطور البيزنطي إلى البابا قائلاً: "إن كنتم تريدون حقًا الوصولَ إلى بيت المقدس، فابعثوا جيوشًا منظمة وفرسانًا مدربين".

ومن هنا بدأ الأمراء الأوروبيون يحشدون قواتهم وجيوشهم المنظمة للذهاب إلى الشرق، ودخول بيت المقدس. وتتابعت الحشود في هذه الحملة الصليبية الأولى، تسلك نحو بيت المقدس طريق البحر وطريق البر من وسط أوروبا وسهول إيطاليا الجنوبية، وأحلام النصر تداعب خيالات الجميع، والجنة التي حدثوهم عنها في بلد المسيح وما فيها من "العسل واللبن" تتراءى لخيالاتهم، وتختلف صورتها الخيالية من شخص إلى آخر!!

ومن أمراء أوروبا الذين شاركوا في هذه الحملة: الدوق جود فري دي بويُّون أمير اللورين السفلى، وأخوه اللورد بولدوين، واللورد بوهيمُوند أمير تورنتو في جنوب إيطاليا، وريموند أمير تولوز، وروبورت أمير نورماندي، وغيرهم.

وبدلاً من اللقاء في القسطنطينية، التقت الجيوش الصليبية عند نيقية، التي استولوا عليها في يونيه سنة ألف وسبع وتسعين للميلاد، بعد حصار دام شهرًا.

وتساقطت المدن في يد الحملة الصليبية الأولى الواحدة تلو الأخرى، حيث سيطروا على مدن كثيرة قبل احتلالهم القدس وبعده، وهي: الرها وأنطاكية (التي خرجت جماعات من مسلمي القدس ودمشق وحلب لإنقاذها) ومعرة النعمان وانطرطوس وطرابلس وبيروت وصيدا وعكا وحيفا وقيسارية والرملة. وفي السابع من يونيه سنة ألف وتسع وتسعين وصلوا إلى أسوار القدس، التي دخلوها بعد حوالي أربعين يومًا من الحصار.







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 02:21 PM رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 16


سقوط القدس في يد الصليبيين:


"اللهُ يريد ذلك.. الله يريد ذلك"، هكذا انطلقت الصرخات من أفواه جموع كبيرة، شُقْرِ الشَّعْر زُرْقِ العيون، يضعون على الكتف الأيمن أو الكتفين صليبًا من قماش أحمر، وهم أهل الحملة الصليبية الأولى، ويقصدون بصُراخهم أن الله يريد حرب المسلمين!

وهاهم في شهر رجب الفرد من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة، يقفون عند أسوار مدينة القدس المباركة في حر يونيو المرتفع، ولُعابهم الجاف يسيل لدخولها! وعلى المدينة أمير من قِبَلِ الفاطميين (افتخار الدولة) في مدينة حصينة، بصحبته أربعون ألف مقاتل، توافد أكثرهم على المدينة من خارجها.

بدأ "افتخار الدولة" أعماله الدفاعية مع اقتراب الزحف الصليبي، فردم العيون والآبار الواقعة خارج المدينة، ليمنع الصليبيين من التزود من مائها، وحشد الجنود في مداخل المدينة الخطرة، ووضع الحراسة على الحصون والأبراج، ليراقبوا أعمال الصليبيين لمواجهتها بسرعة، كما أعد الكمائن التي تتصيد المنفردين من الصليبيين عن جماعتهم بحثًا عن الماء، أو بحثًا عن فرصة لاقتحام الحصون المقدسية.

ودعم افتخار الدولة أبراج المدينة بأكياس من القطن والخرق البالية، لتمتص عن الحصون صدمة الأحجار التي تقذفها المجانيق الصليبية.

وحولَ الأسوار وزّع الصليبيون قواتهم في الجهات التي يمكن اقتحام المدينة منها، خاصة في الشمال والشمال الغربي، لكن حرارة الصيف في عام تسعة وتسعين وألف كانت سيدة الموقف، وصاحبة التأثير الكبير في سير المعركة، حيث عجز الصليبيُّ الأوروبيُّ عن الصبر على حرارة الشمس التي لم يكن له بها عهد، والعطش الشديد المصاحب لها. "ومما زاد في قلق الصليبيين أن المُؤَنَ بدأت تنفد في المعسكرات، دون أن تتمكن قيادتهم من تأمين ما يمكن أن يسد حاجتهم لأمد طويل".

لم يكن أمام الصليبين حل إزاء هذا الوضع سوى المبادرة بالهجوم، فاندفعوا في ضراوة هائلة لاقتحام أسوار القدس المباركة، وبدأ القتال عند فجر اليوم السادس للحصار، والمسلمون صابرون يدفعون عدوهم بكل ما يملكون من القوة، ومع أن الصليبيين لم يستطيعوا اقتحام المدينة إلا أنهم سيطروا على سورها الشمالي من الخارج، وافتقروا إلى أدوات تسلق الأسوار فرجعوا إلى مواقعهم ليستعدوا لهجوم جديد.

قضى الصليبيون قرابة شهر في الاستعداد للهجوم الحاسم، ومقاومة الانخفاض في معنويات جنودهم، الذين أرهقهم القتال والحر الشديد، وقرروا الهجوم من نقطة صعبة من المدينة، إلا أنها أقل تحصينًا، وهو الجانب الشمالي الشرقي من سور القدس، من باب دمشق غرباً، حتى باب الساهرة، فباب يهوشافاط شرقًا.

وركّز المهاجمون القتال على محورَيْنِ: أحدهما من باب الساهرة باتجاه الحرم القدسي الشريف، والآخر من جبل صهيون باتجاه حصن داود. واستطاع المقاتلون على المحور الأول بقيادة جودفري دي بويون اقتحام سور القدس عن طريق برج متحرك، قربوه من السور، ثم قفزوا متتابعين من فوقه إلى داخل المدينة، وهناك ارتكبوا مذبحة رهيبة في المسجد الأقصى، ثم فتحوا باب العمود أمام بقية قواتهم، وواصلوا أعمالهم البشعة في المدينة.

وأما المحور الثاني، فقد لقي الصليبيون فيه مقاومة أشد بقيادة حاكم المدينة "افتخار الدولة"، لكن نجاح أعمال المحور الأول حطم هذه المقاومة، فسقطت المدينة المقدسة كلها في يد الصليبيين في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، الخامس عشر من يوليو سنة تسع وتسعين وألف. وعملوا منذ اللحظة الأولى للاحتلال على صبغ المدينة بصبغتهم.

وكان سقوط القدس صدمة كبيرة في العالم الإسلامي، ووقفت وراء الهزيمة أسباب عديدة.
تحصينات القدس قبل السقوط:


كانت القدس "من أضخم المعاقل والحصون في عالم العصور الوسطى"، وقد اهتم كل من ملكها منذ القدم بتحصينها وتقوية أسوارها، لحمايتها، ودفع طمع الطامعين عنها، وقد كان هذا سلاحًا مهمًا في يد المسلمين عند الزحف الصليبي على المدينة المقدسة.

ظهر أنه ليس في استطاعة الصليبيين حصار المدينة أو دخولها، إلا من جهتها الشمالية أو زاويتها الشمالية الغربية، وأما باقي الجهات فبها مجموعة من الأودية الصعبة التي تستعصي على العبور، إذ يلف القدس من الشرق والجنوب الشرقي وادي قدرون أو وادي جهنم، ومن الجنوب وادي الربابة، ومن الغرب يلفها وادي تيروبيون.

وإضافة إلى هذه التحصينات الطبيعية، فقد قام في منتصف السور الغربي من المدينة ـ الذي يسيطر على جزء كبير من محيط المدينة ـ حصنُ داود المنيع. وكذلك الخنادق المحفورة خارج سور المدينة في الشمال والشمالين الشرقي والغربي.

وأما ماء المدينة، فقد كان من المطر، لذا كثرت في القدس الصهاريج التي يُجمَع فيها هذا الماء، وخُزِّن الكثير منه عندما علم المسلمون بقدوم الصليبيين، استعدادًا لمقاومة حصار صليبي يُتوقع أن يطول.



التواجد البشري في القدس قبل سقوطها:


هبط الصليبيون على أسوار القدس، والمسلمون فيها ستون ألفًا، أبوا أن يتركوا المدينة فريسة بين يدي الصليبيين بالرغم مما بلغهم عن الفظائع التي ارتكبوها في زحفهم على الشرق الإسلامي.

بلغ تعداد سكان المدينة قبيل الاحتلال عشرين ألفًا، معهم حامية من الجنود تقدر بألف مقاتل، ويقودها الأمير الفاطمي "افتخار الدولة"، فلما أخذ الخطر يقترب من بيت المقدس، استيقظ الكثير من المسلمين في المدن والحصون القريبة منها، فتوافدوا نحو المدينة لحمايتها في أعداد كبيرة، حتى بلغوا أربعين ألفًا.

وقد كانت الروح المعنوية للمسلمين في المدينة يشوبها شيء من التوتر، خاصة مع الانتصارات والمذابح الصليبية المتكررة في مدن مجاورة. غير أن الجموع المسلمة في المدينة فضلت الصمود على النجاة الذليلة بالأرواح، بل وفد الكثير من المجاهدين إلى القدس ليقدموا بين يدي الله أعذارهم!

وأما المسيحيون من أهل القدس، فلم يفرض "افتخار الدولة" عليهم قتال أهل ملتهم، فخرجوا من المدينة، وجنوا هم أيضا من ثمار الاحتلال الصليبي المرة!



الاقتحام الوحشي للقدس:


"كان من المستحيل أن يطالع المرء كثرة القتلى دون أن يستولي عليه الفزع، فقد كانت الأشلاء البشرية في كل ناحية، وغطت الأرض دماء المذبوحين، ولم تكن مطالعة الجثث ـ وقد فارقتها رءوسها ـ ورؤية الأعضاء المبتورة المبعثرة في جميع الأرجاء هي وحدها التي أثارت الرعب في نفوس جميع من شاهدوها، بل كان هناك ما هو أبعث على الفزع، ألا وهو منظر المنتصرين أنفسهم وقد تخضبوا بالدماء فغطتهم من رؤوسهم إلى أخْمَصِ أقدامهم، فكان منظرًا مروِّعًا بث الرعب في قلوب كل من قابلوهم، ويقال إنه قتل في داخل ساحة المسجد وحدها عشرة آلاف من المارقين (يقصد المسلمين!)، بالإضافة إلى أن القتلى الذين تناثرت جثثهم في كل شوارع المدينة وميادينها لم يكونوا أقل عددًا ممن ذكرناهم".

"انطلق بقية العسكر يَجُوسُونَ خلالَ الديار بحثا عمن لازال حيًّا من التعساء الذين قد يكونون مختَفِينَ في الأزقّة والدروب الجانبية فرارًا من الموت، فكانوا إذا عثروا عليهم سحبوهم على مشهد من الناس، وذبحوهم ذبح الشياه. وجعل بعض العسكر من أنفسهم عصابات انطلقت تسطو على البيوت ممسكين بأصحابها ونسائهم وأطفالهم، وأخذوا كل ما عندهم ثم راحوا يقتلون البعض بالسيف، ويقذفون بالبعض الآخر من الأمكنة العالية إلى الأرض فتتهشم أعضاؤهم، ويهلكون هلاكًا مروعًا"!

هكذا وصف وليم الصوري ـ الأسقف والمؤرخ الصليبي ـ بعض آثار قومه في القدس أثناء اقتحامهم لها. . لم يكن هنالك فرق كبير بين اقتحام البابليين والرومان الوثنيين للقدس وبين اقتحام الصليبيين لها، سوى أن الأخيرين ينسبون أنفسهم إلى ديانة سماوية، وإلى رسول كريم عاش حياته رفيقًا رقيقًا زاهدًا، وهو عيسى ـ عليه السلام.

فبينما كان الصليب هو الرمز والخلفية التي تدير الحدث، كانت أرض القدس ملونة بحمرة الدم القانية، وأشلاءُ المسلمين وأعضاؤهم المقطعة في كل مكان تشبه لوحة سريالية رسمتها وحوش البرّية!

نجح الصليبيون في اقتحام أسوار المدينة قبل شهر رمضان من سنة اثنين وتسعين وأربعمائة بأسبوع واحد، وسقطت المقاومة الإسلامية أمامهم، وانتهى المسلمون عن القتال، بل فروا من أمام عدوهم فرارًا تعيسًا. ولم يكن نبل الخلق هو الذي يحرك المنتصر الجديد، ففعلوا في المدينة الأفاعيل، حتى قتلوا المسلمين في المسجد الأقصى، وأحْرَقُوا اليهود في داخل معبدهم.

ويكفي أن المدينة خلت تمامًا من المسلمين واليهود عقب دخول الصليبيين لها، ولم ينج من المسلمين سوى أمير القدس الفاطمي "افتخارالدولة" في بعض جنوده، حيث انضم بهم إلى جموع المسلمين المقاتلين في عسقلان.

وبكت المدينة المباركة دما لقسوة الغزاة، وشوقا إلى أيام عمر بن الخطاب فيها وفتح عمر لها!!







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 02:31 PM رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 17


القوات الصليبية المهاجمة للقدس:


قبل حلول فصل الصيف من سنة ألف وتسع وتسعين كانت الحملة الصليبية الأولى قد حققت كثيرًا من أحلامها باستيلائها على نيقية وأنطاكية والرها وغيرها، إلا أنها لم تكن قد وصلت إلى هدفها الأول، وهو بيت المقدس، بالرغم من مرور أكثر من سنتين على بداية الحملة.

وقد شكل الصليبيون جيشًا قويًّا منهم، يتولى مهمة الاستيلاء على القدس، تعداده أربعون ألف مقاتل، من أعمار مختلفة ذكورًا وإناثًا، يقود جزءًا منه أمير النورماندي، ويقود الجزء الآخر أمير الفلاندر، ثم جودفري دي بويون أمير اللورين، ثم قوات تانكرد ابن أخت بوهيموند أمير تورنتو، وأخيرًا ريموند دي سان جيل أمير تولوز.

وكان هؤلاء القادة بقواتهم هم الذين نالوا شرف ذبح المدينة المباركة وأهلها!! فتوزعت القوات لتخنق المدينة من الجوانب الممكنة منها، وضربوا الحصار حولها، فتمركزت قوة في الجهة الشمالية ناحية باب الساهرة، وقوة في الشمال الغربي جهة باب العمود أو باب دمشق، وأخرى في الشمال الغربي أيضا عند زاوية المدينة الشمالية الغربية، وقوة رابعة في الغرب عند باب يافا أو باب الخليل، وفي الجنوب تمركزت قوة أخرى على جبل صهيون وتجاه باب النبي داود.

وقد كانت الروح المعنوية للقوات الصليبية عالية، فقد حققوا انتصارات متتالية، انتزعوا فيها من المسلمين مجموعة من المدن المهمة، كما قوَّى الروح المعنوية للحملة الصليبية أنهم على مقربة من بيت المقدس، المدينة التي أحبوها لدرجة الهوس.


أسباب هزيمة المسلمين أمام الصليبيين:


كان سقوط معرة النعمان وطرابلس وأنطاكية وغيرها في يد الصليبيين نذيرًا كافيًا للمسلمين ليقوموا من رقدتهم، ويَحْمُوا القدس بل يحموا ذاتهم من المَحْوِ والسقوط تحت أقدام الغزاة القادمين من الغرب، لكن يبدو أن النوم كان أثقل من ذلك!!

وسقطت القدس بعد أخواتها مباشرة، في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، لتكشف عن الأدواء القاتلة التي أصابت الجسد المسلم، وأدت إلى الهزيمة المريرة!

لقد حكمت المطامع الشخصية كثيرًا من تصرفات المسلمين حينئذ، وبدا رباط العقيدة واهيًا ضعيفًا، ووهنت صلة الناس بربهم، فصارت الدنيا عندهم ـ إلا من رحم الله ـ هدفًا وغاية، يسعون للوصول إليه ولو ولغوا في دماء إخوانهم!

وبدت الفرقة والتنازع لونًا لأغلب جوانب حياة المسلمين في الجيل الذي تلقى الصدمة الصليبية الأولى، ليس على مستوى الحكام وحدهم، ولكن على مستوى الأمة أيضًا، فما أكثر ما قال المؤرخون عن سنوات هذه الفترة: "فيها وقعت فتنة بين السُّنَّة والروافض (الشيعة)، فأحرقت محالُّ كثيرة، وقتل ناس كثير، وإنا لله وإنا إليه راجعون"!!

وفي القدس نفسها ـ كما يقول ابن المدينة الرحالةُ المقدسيّ ـ لم يكن "للمظلوم أنصار، والمستورُ مهموم، والغني محسود، والفقيه مهجور، والأديب غير مشهود، لا مجلس نظر ولا تدريس، وقد غلب عليها النصارى واليهود، وخلا المسجد من الجماعات والمجالس".

هكذا بدت البنية العميقة للمجتمع المسلم قابلةً للهزيمة بسهولة، وساعدها على ذلك مناخ الفرقة والتنازع العام، فالخلافة العباسية عاجزة عن تجميع المسلمين تحت لوائها، والسلاجقة الذين حاولوا القيام بهذه المهمة انشغلوا بالصراع مع الفاطميين في الشام وحول القدس نفسها، دون أن يتمكن أي من الفريقين من تحقيق نصر حاسم. والخلافة الفاطمية كانت في مرحلة الاحتضار، خاصة بعد سلسلة المجاعات والكوارث التي حلت بمصر في عهد المستنصر بالله الفاطمي.

وحل بالمسلمين ارتباك وفقدان للأمن في أنحاء دولتهم الكبيرة بسبب النزاع المستشري بين ملوكهم، ووصل أثر ذلك إلى أقدس رحلة للمسلمين، وهي رحلة الحج، فقبل سقوط القدس في يد الصليبيين بخمس سنوات فقط "لم يحج أحد لاختلاف السلاطين"، وفي العام التالي "لم يحج أحد من أهل العراق"!!



القدس مدينة صليبية:


في نشوة الانتصار واحتلال القدس، شرب الصليبيون خمور النصر، وسط أشلاء القتلى المسلمين وفي برك الدماء القانية، وقد بدت هيئات الصليبيين مرعبة من دم الضحايا الذي أصاب ملابسهم وأسلحتهم. وكان ذلك ردا عجيبا على سماحة الفتح الإسلامي وإنسانية الفاتحين المسلمين!!

وبعد شيء من الاستراحة، بَدَا للصليبيين أنهم حققوا هدفَهم الأكبر بالاستيلاء على القدس، فأخذوا في التقسيم الإداري للأرض الإسلامية التي سيطروا عليها، وأنشأوا إمارة صليبية في الرُّها، وأخرى في أنطاكية، وثالثة في طرابلس. أما القدس فقد أقاموا فيها مملكة لاتينية تُحاكي الممالك القائمة على البر الأوروبي، امتدت من لبنان حتى صحراء النقب والبحر الأحمر، وأميرها هو جودفري دي بويون، الذي تَوَّجُوهُ في كنيسة القيامة، ولما توفي فيما بعد دفنوه فيها.

لقد مكث الصليبيون في بيت المقدس حوالي تسعين عامًا قبل تحرير صلاح الدين لها، فعملوا طوال هذه الفترة على صبغ المدينة بصبغتهم النصرانية اللاتينية، فقام النظام الإداري على الإقطاع الغربي، مختلطًا بمزيج من العسكرية والكنائسية، واتسع سلطان الإقطاعيين، حتى تجاوزت سلطاتهم واستقلاليتهم المَلِكَ المتوج منهم، ودخل بعض هؤلاء في حروب ضد بعضهم الآخر.

وكانت القوات الصليبية في القدس أثناء الاحتلال موزعة إلى فرقتين: إحداهما سماها المسلمون "بالداوية" ومهمتها قتال المسلمين، وأما الفرقة الأخرى فهي "الاسبتارية"، وكانت مهمتها في البدء هي العناية بالحجاج والمرضى المسيحيين، ثم تحولوا إلى القتال بجانب "الداوية" واتخذت الفرقتان من المسجد الأقصى مقرًا لأعمالهما ومستودعًا لأسلحتهما، وفقد صفته كمسجد.

وعمل الصليبيون طَوَال تواجدِهم في القدس على تنصيرها، فعمدوا إلى المسجد الأقصى وحولوا قبة الصخرة إلى كنيسة، ووضعوا الصليب فوقها، كما أنشأوا كنيسة القديسة حنة بين باب الأسباط وباب حطة، وكنيسة القديسة مريم الكبرى، وكنيسة القديسة مريم اللاتينية عند مدخل سوق الدباغة، وكنيسة الداوية جنوب كنيسة القيامة، وجمعوا أجزاء كنيسة القيامة تحت سقف واحد، وبنوا الكنيسة المعروفة الآن بنصف الدنيا. ولا يزال أكثر هذه الكنائس قائمًا إلى الآن، شاهدًا على التسامح الإسلامي العظيم، ذلكم النهج الذي لا علاقة له بالهمجية، ولا صلة له بالسلب والنهب ولا التدمير والهدم!

وإمعانًا في تنصير الصليبيين للقدس، فإن البقية الباقية من المساجد التي لم تُحوَّل كنائس "هُدِّمت لتفسح مكانًا لأبنية مستحدثة حلت محلها" ـ كما يقول أحد الأساقفة.

كما وسع الصليبيون من المستشفى الذي شيده الفاطميون من قبل، وشيدوا نُزُلاً بجوار هذا المستشفى.



ردود الفعل الإسلامية على سقوط القدس في يد الصليبيين:

كأنهم كانوا في حلم، فإذا بهم في يقظة تامة، وأمام واقع مر تمامًا !! لقد سقطت القدس في يد الصليبيين، وأضحى المسلمون في دهشة عارمة، وحزن غامر، ماذا يصنعون، وقد تلطخت صفحتهم بعار تضييع القدس التي تسلمها عمر بن الخطاب من يد أهلها قبل ذلك بأكثر من ثلاثمائة وست وسبعين سنة؟!

أما الخليفة العباسي المستظهر بالله ـ ابن الحادية والعشرين ـ فرأى الناس يفرون مذعورين من الشام أمام الأعمال الوحشية للصليبيين، طالبين الغوث من الخليفة ومن الملك السلجوقي، فحاول المستظهر أن يفعل شيئًا، وشجع الفقهاء ليخرجوا محرِّضين لملوك المسلمين على الجهاد، فخرج أعيان الفقهاء في الناس، فلم يفد ذلك شيئًا"!

إلا أن أجواء الفشل في العالم الإسلامي لم تطل، إذ خرج الأمل من رحم الظلام الحالك، فجاءت جهود الزنكيين كالإعصار الذي لم يدع للصليبيين فرصة يهنأون فيها بانتصاراتهم.







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 02:34 PM رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 18


جهود الأسرة الزنكية في مقاومة الصليبيين:


منذ وطئت أقدام الصليبيين أرض المسلمين والمقاومة لم تنقطع، حتى رحلوا عن بلاد الإسلام نهائيًا في عهد سلاطين المماليك، وقد اشتدت المقاومة خاصة عقب السيطرة الصليبية على القدس، حتى من جانب الفاطميين، الذين حشدوا جيوشهم عدة مرات، وهاجموا الصليبيين، إلا أن الجهود الفاطمية فشلت دائمًا.

أما السلاجقة فقد كان من نصيب بعض الأمراء الأتابكة التابعين لهم أن نظموا لأول مرة المواجهات الحربية مع الصليبيين، حتى كان ذلك انطلاقة حقيقية نحوالتحرير الإسلامي الذي لا يقف عند بيت المقدس، ولكن يشمل كل شبر محتل من الأرض الإسلامية.

بدأ الأتابك آق سنقر البرسقيُّ أمير الموصل العمل المنظم المثمر في مواجهة الصليبية في بلاد الإسلام، فاعتنى بتجميع القوى الإسلامية عند مواجهة العدو الشرس، واستطاع أن يوحد الموصل وحلب، وضمن ولاء أمير دمشق له، وقد كانت حلب محصورة قبل ذلك من الصليبيين ومهددة بالاجتياح، فخلصها الأمير المجاهد سنة تسع عشرة وخمسمائة، وعزز قوة المسلمين فيها.

كانت هذه خطوة مهمة مهَّدت الطريق أمام عماد الدين زنكي بن آقسنقر الحاجب، ليواصل طريق المواجهة على أساس واضح، وهو توحيد القوى الإسلامية، ومحاربة الشتات الداخلي قبل البروز للعدو، واستطاع بذلك أن يقطع شوطًا طويلاً في الطريق نحو بيت المقدس، حين أسقط الإمارة الصليبية العنيدة "الرها" سنة خمسمائة وتسع وثلاثين للهجرة، وأضعف كثيرًا من قوة الصليبيين التي كانت تزداد تضخمًا مع الزمن، كما قطع خطر هذه الإمارة القريبة من دار الخلافة بغداد، ومن أملاك عماد الدين في شمال الجزيرة وحلب.

وجاء نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي مواصلاً طريق والده الشهيد، وكان الهدف البعيد الذي يخطط للوصول إليه هو بيت المقدس، التي صمم لها منبرًا نادرًا من خشب الأبنوس، ليوضع في مسجدها عند التحرير. وكان "يرسل الفدائيين إلى بيت المقدس، ليجوسوا خلال الديار، ويأتوه بالأخبار".

وإذا كان أمل نور الدين في الوصول إلى القدس لم يتحقق، فإنه قطع شوطًا أطول من أبيه عماد الدين، في الطريق إلى بيت المقدس، وذلك أنه قوَّى الجبهة الإسلامية بضم دمشق إليه سنة خمسمائة وتسع وأربعين، ومصر سنة خمسمائة وأربع وستين، كما قضى على جزء كبير من الحملة الصليبية الثانية، واسترد الرها بعد أن استولى عليها الصليبيون عند وفاة أبيه، وكسر أمراؤه الصليبيين الفرنج في مصر، حتى يئسوا من الاستيلاء عليها، واستعاد من الفرنج أكثر من خمسين مدينة.

وظل نور الدين يجاهد العدو، ويقوي جبهة المسلمين، ويعالج الأدواء الداخلية، حتى توفي سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

وكان صلاح الدين واحدًا من أمراء الدولة الزنكية قصيرة العمر، واصل الجهاد بعد نور الدين محمود، حتى التقط الدرة المقدسة، وحرر مدينة بيت المقدس من أنياب الصليبية.


صلاح الدين الأيوبي والقدس:


لم يكن صلاح الدين يوسف بن أيوب قد ولد حين وقعت المأساة، واحتل الصليبيون القدس، غير أنه فتح عينيه على الحياة سنة خمسمائة واثنتين وثلاثين، وهناك صراعٌ مريرٌ يدور بين المسلمين والصليبيين، وحين بلغ السابعة كان عماد الدين زنكي يدمر مملكة الرها، ويخرج الصليبيين منها، وحين بلغ السابعة عشرة، كان نور الدين محمود يسعى حثيثًا إلى تحقيق الوحدة الإسلامية، ويضم إليه دمشق، بعد أن خيب أمل الصليبيين في الاستيلاء عليها.

بدأ صلاح الدين يظهر على ساحة الحياة الإسلامية شيئا فشيئا، في جو من التواجد الكثيف لأبيه أيوب وعمه أسد الدين شيركوه بالقرب من عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود المجاهدَيْن الكبيرين.

وفي حياة نور الدين وحكمه بدأ دور صلاح الدين، حيث صحب جيش عمه أسد الدين شيركوه لضم مصر إلى دولة نور الدين، وهي المهمة التي نجحت سنة خمسمائة وأربع وستين للهجرة، فأصبح للدولة الفتية جناحان من القوة: مصر والشام، استطاعت فيما بعد أن تطوق بهما الوجود الصليبي في الشام، حتى تلاشى تمامًا أيام المماليك.

وبوفاة نور الدين محمود سنة خمسمائة وتسع وستين للهجرة، أصبح صلاح الدين الأيوبي الأمير الأقوى في الدولة، فأخذ يطبق استراتيجيته لمواجهة الصليبيين، وعينُه على بيت المقدس، واصطدم بالصليبيين في معركة كبرى في حطين سنة خمسمائة وثلاث وثمانين، فسهَّلت له بانتصارها الكبير الطريق إلى بيت المقدس، وسار صلاح الدين بقواته إلى المدينة المباركة، وافتتحها في السابع والعشرين من شهر رجب من نفس العام، بعد غربة دامت حوالي تسعين عامًا.


إعداد صلاح الدين للمواجهة مع الصليبيين:

كانت القدس عند صلاح الدين يوسف بن أيوب هي قلب المعركة في الصراع مع الصليبيين، وكان لابد من الإعداد والاستعداد الطويل لها، فالطريق إلى تحرير القدس ـ كما رآها ـ مملوءة بالصعوبات...

وإذا كان فتح القدس قد استغرق بضعة عشر يومًا، فإن الإعداد له استغرق حياة جيلين، منذ قام عماد الدين زنكي يقاتل الصليبيين وعينه على المدينة المقدسة.

وقد كان لازمًا لصلاح الدين، وهو يُعِدُّ أمته للمواجهة الشرسة مع الصليبية، أن يهتم بإصلاح جبهته الداخلية، لأن العدو إذا خرج من الداخل كان أشد خطورة، كما أن الجبهة المهلهلة المتفرقة لا تصبر في وجه عدو، فاتخذ ثلاثة إجراءات كبيرة هي:

ـ الإصلاح العقائدي بإلغاء الدولة الفاطمية ودعوتها.

ـ ثم مقاومة الفتن الداخلية.

ـ ثم توحيد ما استطاع توحيده من البلاد الإسلامية.

كما اتبع صلاح الدين سياسة عمرانية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى خدمة سعيه نحو تحرير العالم الإسلامي، وإخراجه من ورطته الحضارية، التي كانت الهزيمة والتراجع أمام الصليبيين نتيجة من نتائجها.

واحتاج تنفيذ هذا كله من صلاح الدين أن يخوض معارك شديدة الخطورة، فلقي مقاومات عنيفة، لكنها فشلت في أن تحول دون التغييرات التي سعى إليها.

الإصلاح العقائدي:


لكي يؤتي الإصلاح نتيجته المنتظرة منه، كان لابد أن يمس النفس من الداخل، وأن يُصْلِح العِوَج الذي أصابها، فالدولة الفاطمية الإسماعيلية التي مكثت تحكم من القاهرة جزءًا كبيرًا من العالم الإسلامي لأكثر من قرنين، رسَّخت بعض المبادئ التي لا تتفق ونقاءَ العقيدة الإسلامية، كالعصمة الممنوحة للخليفة ـ والتي تجعل قراراته بعيدة عن المناقشة أو المخالفة، مهما بدت منافيةً لنصوص الدين وروحه ـ والتأويلِ الباطني للقرآن.

وقد اهتم الفاطميون اهتمامًا بالغًا بتوصيل مبادئهم وأفكارهم وترسيخها في البيئة الإسلامية، فبثوا الدعاة، وبنوا المساجد، وأقاموا دور العلم ـ مثل دار الحكمة ـ من أجل تحقيق هذا الهدف.

وقد كان ترسيخ أفكارهم ونشرها في العالم الإسلامي يضمن لدولتهم البقاء الأطول، لذلك أشرف عليها الخليفة مباشرة. وبالرغم من ذلك لاقوا مقاومة كبيرة، ولم يجدوا عند الناس القبول التام لأفكارهم، وإن كان الأثر الشعبي للفاطميين ما زال موجودًا إلى الآن في العديد من البيئات الإسلامية، على هيئة احتفالات بالموالد وما شابهها.

كانت هناك خطوة مهمة أمام صلاح الدين وهو في القاهرة لابد أن يتخذها في سبيل الإصلاح العقائدي، وهو إلغاء الخلافة الفاطمية وجميع تقاليدها وأعمال دعاتها، وكانت مهمةً صعبة تحتاج إلى تمهل لامتصاص رد الفعل إذا كان أكثر غضبًا، فهناك مجموعة كبيرة من الأعيان يَهُمُّها أن يستمر المذهب الفاطمي والدولة الفاطمية، وكان الخليفة العباسي المستنجد بالله والأمير نور الدين محمود يحثّان صلاح الدين على إلغاء الفاطمية وإبطال الخطبة لها.

واستجمع صلاح الدين همته، وعزم على الأمر، فعزل "قضاة مصر الشيعة، وقطع أرزاقهم، وشرد الدعاة (الإسماعيلية)، وألغي مجالس دعوتهم، وأزال أصول المذهب الشيعي، مثل الأذان بحي على خير العمل بدلا من الأذان بحي على الفلاح.. بل حذف من النقش الديني على العملة المتداولة بين الناس صفة العقيدة الشيعية: عليٌّ ولي الله"، وأسقط الدعوة للخليفة الفاطمي العاضد، وجعل مكانها الدعوة للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله بن المستنجد، ولنور الدين بعده، وأزال اسم العاضد من العملة، ووضع اسم المستضيء ونور الدين أيضا، ومنع صلاة الجمعة في الجوامع الكبيرة التي كانت تبثّ الدعوة الفاطمية فى نشاط منذ زمن، كالجامع الأزهر وجامع الحاكم. وبذلك أصبحت الدولة الفاطمية في أول جمعة من سنة خمسمائة وسبع وستين تاريخًا مضى.

ولم يكن كل هذا كافيًا في الإصلاح العقائدي الذي سعى إليه صلاح الدين، إذ لابد من إعادة تسكين العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الأمة التي تُعَدُّ للجهاد في سبيل الله، فأقام صلاح الدين مجموعة من المدارس التي تعتني بنشر المذهب السني، كالمدرسة المنشأة بالقرب من قبر الإمام الشافعي بالقاهرة.



القضاء على الفتن الداخلية:


حين تقلد صلاح الدين منصب الوزارة في مصر كان في ريعان الشباب، لذا كان موضع حسد كثير من رجال الدولة الذين عملوا في ظل الفاطميين، فاعتبروه دخيلا عليهم، ومغتصبا لحقوقهم، فضلا عن ذلك كانوا يعملون على تثبيت حكم الفاطميين في مصر مهما كلفهم ذلك من ثمن... فلم يدَّخروا جهدا في تدبير المؤامرات، وبث الدسائس عسى أن يتخلصوا من الوزير الشاب الطموح صلاح الدين، ومن أبرز هذه المؤامرات: مؤامرة مؤتمن الخلافة، ومؤامرة عُمارة اليمني، ومؤامرة كنز الدولة.

أما مؤتمن الخلافة جوهر فقد كان له الحل والعقد في قصر "العاضد" آخر الخلفاء الفاطميين في مصر، فاتفق هو وجماعة من المصريين على مكاتبة الفِرِنْج، واستدعائهم إلى البلاد، ليَقْوَوا بهم على صلاح الدين ومن معه، فكتب إلى الإفرنج كتابا يحضهم فيه على الزحف على مصر، حتى إذا وصلوا وخرج إليهم صلاح الدين، وزحف مؤتمن الخلافة بجموع، واقتفى أثره ـ وَقَعَ صلاح الدين بين نارين، فلا يَبقى له ولا لمن معه باقيةٌ.

علم صلاح الدين بالحقيقة، لكنه لم يظهر ذلك، ولم يعاقب مؤتمن الخلافة فورًا حتى لا تثور ثائرة أتباعه ومؤيديه، فما زال صلاح الدين يمهله ويطاوله حتى أتيحت له الفرصة فتمكن منه ومن أتباعه فقضى عليهم.

وأما عمارة اليمني فقد اعتبر الأيوبيين مغتصبين للعرش الفاطمي، وطالما مدح الفاطميين وأيامَهم في شعره، وعمل على إعادة الحكم الفاطمي، ودعا عددا كبيرًا من الجند، وانضم إليه المناصرون، وبقايا الفاطميين وأصبحت حركته خطرا يهدد دولة الأيوبيين الوليدة، ليس هذا فحسب بل كاتب الإفرنج في ذلك ليستعين بهم على تقويض حكم صلاح الدين، والقضاء عليه نهائيا.

لكن أحد مؤيديه، وهو زين الدين بن نجا، وَشَى بخبرهم إلى صلاح الدين ابتغاء المكافأة، فقبض صلاح الدين عليهم وقتلهم سنة خمسمائة وتسع وستين.

وأما كنز الدولة والي أسوان وقوص فقد سعى سنة خمسمائة وسبعين إلى إعادة البيت الفاطمي إلى السلطة، وأنفق في أتباعه أموالاً جزيلة، وانضم إليه جماعة ممن يميلون إلى الفاطمية، فقتل عشرة من أمراء صلاح الدين، فجهز صلاح الدين أخاه "العادل" في جيش كثيف، ثم سار "العادل"، فلقي " كنز الدولة"، وكانت بينهما حروب فرّ فيها كنز الدولة، بعدما قتل أكثر عسكره، ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر، وقدم الملك العادل منتصرًا إلى القاهرة في الثامن عشر من صفر.

وهكذا استطاع صلاح الدين أن يقطع دابر الفتن، وأن يقضي على القلاقل والمؤامرات، لينطلق بعد ذلك نحو أفق أوسع في مواجهة الصليبيين







رد مع اقتباس
قديم 10-05-2010, 03:05 PM رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
اسماعيل السلاق
عضو ماسي
إحصائية العضو






 

اسماعيل السلاق غير متواجد حالياً

 


افتراضي تاريخ القدس عبر العصور 18


جهود صلاح الدين العمرانية:


يمثل العمران الداخلي للوطن الوجهَ المكمِّل للعمران الداخلي للإنسان، وإذا كان صلاح الدين قد سعى نحو إرجاع العافية إلى الجسد الإسلامي بإصلاح العقيدة لدى المسلمين، فقد حرص بالمثل على إعمار الأرض بالبنايات المدنية التي تيسّر للخلق أمر معايشهم، والمنشآتِ العسكرية التي تدفع عن الوطن جيوش الأعداء.

ومن هذه البنايات المهمة: سور القاهرة وقلعتها العتيقة (قلعة الجبل)، وقلعة سيناء، وعمَر جزيرة الروضة في النيل، وقوّى أسطول مصر، وجعل له ديوانا مخصوصا أشرف عليه أخوه العادل ، ليكون الأسطول ـ مع جيشه البري ـ ذراعا قوية للمسلمين في وجه الصليبية وحملاتها الشرسة وقواعدها الحصينة.

وعمر السلطان أسوار الإسكندرية وأبراجها، وشيد دورا لعلاج المرضي في عدة مواضع من مملكته، وأقام جنوب قلعة سيناء مسجدين متجاورين، وصهريجا لسقاية الناس.

وامتدت أعمال الإعمار بصلاح الدين بعد تحرير بيت المقدس، فحرص على تحصينها، وبنى بها عدة مدارس، أهمها المدرسة الصلاحية بالقدس.



جهود صلاح الدين الاقتصادية:


تحتاج الحرب إلى استقرار اقتصادي تستطيع الأمة معه أن تمول جهودها القتالية، وتأمن معها من الهِزات والأزمات الداخلية في مثل هذه الأوقات الحرجة.. وقد حرص صلاح الدين على دعم الحركة الاقتصادية في الأجزاء التي سيطر عليها من العالم الإسلامي، فاهتم بالتبادل التجاري الداخلي والخارجي، حتى نشطت التجارة مع بعض المواني الأوروبية، مثل مدن إيطاليا الجنوبية، وأسس تجار البندقية الإيطاليون سوقا لهم في الإسكندرية، واعتنى السلطان بأسواق دولته، وتجلى ذلك في عيون الرحالة في حلب وطرابلس وغيرهما.

واعتنى السلطان الكبير بالري والزراعة، وآخى بين الإقليمين الخصيبين مصر والشام؛ لتأمين حاجة الجيش والأمة من الغذاء.

كما رعى السلطان صلاح الدين الصناعات المهمة في عصره، كالسلاح والسفن والمنسوجات والأقمشة والخزف..

وأكثر من ذلك كانت الحرب نفسها توفر للدولة دخلا كبيرا عقب اللطمات التي يعطيها المسلمون للجيوش الصليبية، فهناك: غنائم الحرب، وفدية الأسرى، وخراج الأرض التي تُفتَح صلحا. كما ضم صلاح الدين كنوز الفاطميين الضخمة إلى أموال الدولة عقب إلغاء خلافتهم.


جهود صلاح الدين الاجتماعية:


تميزت شخصية صلاح الدين بالجد، إدراكًا منه لحساسية المرحلة التي يحياها، وأن الهزل ليس من طبيعة الأمة المجاهدة.

وكان المسلمون في حاجة إلى مثل هذه الروح؛ لحماية هويتهم وذواتهم من المحو والمحق، ووجدوا قدوتهم في قائدهم الذي يشاركهم الحرب والقتال بنفسه، ويسبقُ الناسَ إليها وفيهم أبناؤه وإخوته، ويتعرض لما يتعرض له المسلمون من الأخطار والأهوال ـ والقدوة هي الركن الركين في الإصلاح الاجتماعي.

وألغى السلطان التجمعات والأعياد التي يُزاول فيها الفسق والفجور، مثل عيد النيروز، والمبتدعات التي يُساء فيها إلى الدين، كيوم عاشوراء الذي يحتفل فيه الشيعة بذكرى استشهاد الحسين ـ رضي الله عنه.

كذلك ألغى صلاح الدين الضرائب الجائرة التي كانت مفروضة على رقاب العباد، مثل الضريبة التي كان يفرضها أمير مكة على الحجيج..



تحقيق الوحدة الإسلامية:


وصف ابن الأثير حال المسلمين عندما بدأهم الغزو الصليبيُّ، فقال: "اتفق لهم اشتغال عساكر المسلمين وملوكهم بقتال بعضهم بعضا، وتفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء، واختلفت الأهواء، وتمزقت الأحوال".

فهكذا بدت الصورة في العالم الإسلامي حين حل الصليبيون على المنطقة ضيوفًا ثقلاء وغير مرغوب فيهم، وبسبب هذه الفُرْقة والتنازع بين المسلمين تمكنت الصليبية الغربية من ترسيخ أقدامها، وأصبحت لها ممالك ورعية تابعة في أربع إمارات كبيرة، هي: الرها وأنطاكية وطرابلس والقدس.

وحين هبَّ المسلمون في وجه الزحف الصليبي، الذي كان يسعى إلى قضم المزيد من الأرض الإسلامية، أيقن قادة المسلمين أنه لا نجاح لجهودهم في وقف المد الصليبي والقضاء عليه إلا بتقوية الجبهة الداخلية وتحقيق الوحدة الإسلامية.

وقد تعلم القائد الكبير صلاح الدين هذا الدرس ممن سبقوه على طريق الجهاد، خاصة عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، فحرص كلَّ الحرص على تجميع شتات المسلمين، وإبعاد السلاطين الضعفاء عن مواقعهم؛ لأنهم يمثلون نقطة ضعف قاتلة في الجسد الإسلامي الذي يواجه خطر المحو.

ألغى صلاح الدين الخلافة الفاطمية سنة خمسمائة وسبع وستين، فأصبحت القوة الإسلامية تحت قيادة نور الدين كبيرة، بانضمام مصر تمامًا إلى ممتلكاته في الشام وشمال العراق، لكن نور الدين مات بعد ذلك بعامين، ولم تتح له الفرصة للزحف على بيت المقدس لتحريره، بل كادت هذه الفرصة تضيع من الأمة كلها، حين ترك نور الدين للولاية بعده طفلاً في الحادية عشرة من عمره، فتنازع الأمراء من أتباع نور الدين وأقاربه على السلطة، وحل الجد والنشاط في الصليبيين فأخذوا يهاجمون دمشق.

زحف صلاح الدين إلى دمشق ـ بطلب من أهلها ـ وضمها إليه بلا قتال في ربيع الآخر من سنة خمسمائة وسبعين فبدأت العداوات تتكاثر من حوله، وراحت الحراب توجه إليه من كل ناحية، من الصليبيين ومن الأمراء المتنازعين على وراثة تركة نور الدين، حتى استنجد بعض الأمراء بالصليبيين الذين هاجموا جيشه من إمارة طرابلس الصليبية.

ودخل صلاح الدين في حروب حول الجزيرة وحلب، وهو يحسب حساب خطواته، وعينه على الصليبيين القريبين منه، حتى خضعت له كل ممتلكات نور الدين في الشام والجزيرة العربية واليمن والجزيرة بشمال العراق، وطوق الصليبيين من كل جهات البر، وقال القائد المنتصر صلاح الدين يوسف بن أيوب: "أمور الحرب لا تحتمل في التدبير إلا الوحدة"!!
حطين تفتح الطريق إلى القدس:



غربيَّ طبرية، وعلى الطريق المؤدية إلى القدس جنوبًا، وسط منطقة خضراء فيها زروع وبحيرة وماء كثير، تقع حطين، ويشرف عليها تل مرتفع..


كانت فلسطين في القرن السادس الهجري مملوءة بالصليبيين الذين أشعل صلاح الدين الأرض من تحتهم نارًا منذ وفاة نور الدين، فكان يفاجئهم بالحرب في مواقع كثيرة، ويختطف منهم الحصون والمدن، ويَهزمهم ويُهزم منهم، حتى جاء موعد حطين في سنة خمسمائة وثلاث وثمانين، حيث خرج صلاح الدين من دمشق في شهر المحرم، وتوجه إلى بصرى، وانتظر عودة الحجاج من الحجاز ليؤمنهم من غدر أمير الكرك الذي قتل رَكْبًا للحجيج قبل ذلك، وتعرض بالإهانة لنبي الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأقسم صلاح الدين على الانتقام منه بنفسه.


فلما عبر الحجيج سالمين، سار السلطان الناصر صلاح الدين بجنوده نحو الكَرَكِ، فنزلها "وقطع ما حولها من الأشجار، ورعى الزرع، وأكلوا الثمار".. وأقبلت القوات إلى صلاح الدين من مصر وشتى أنحاء مملكته.


وبلغت تحركات صلاح الدين مسامع الصليبيين، فأخذوا يجمعون جحافلهم، ويُجَيِّشون جيوشَهم، وفيهم ملوكهم الكبار، وخرجوا إلى صلاح الدين وقواته، وأقبل السلطان الناصر زاحفًا، "ففتح طبرية، وتقوّى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك"، ومنع الماء عن الصليبيين حتى كاد العطشُ يهلكُهم، وتقدم المسلمون حتى نزلوا حطين.


وفي يوم حار من أيام شهر يوليو، في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، كانت حلوق الصليبيين يوم المعركة ملتهبة من العطش، وهم يحملون شعارهم المقدس، صليبًا من الخشب، وقد زينوه بالذهب والجوهر الكثير، وأسموه صليب الصلبوت؛ لاعتقادهم أن المسيح صُلب عليه..


وأخذوا يزحفون جهة صلاح الدين الذي انسحب من أمامهم ليستدرجهم إلى موضع أفضل للقتال بالنسبة لجيشه، وسيطر المسلمون على المياه ومصادرها، وأعطوا ظهورهم للأردنّ، واستقبلوا العدو في جمعه الكبير، خمسين ألفًا..


في هذه اللحظة انطلق الفرسان من الجانبين في قتال مرير، وارتفعت صيحات المسلمين بالتكبير، وقاتل الناصر صلاح الدين بنفسه، وطاف بين جنوده يحرضهم على القتال، وأمر بإشعال الأرض بالنفط من تحت أقدام عدوّه حين رأى العُشب الجاف يكسوها، فاجتمع على الصليبيين "حَرُّ الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال"، وحمل القائدُ المسلم وجنودُه حملة صادقة كان فيها الحسم، حيث وقعت في الصليبيين مقتلة عظيمة، وراحوا يستسلمون للمسلمين جماعاتٍ، فكان الرجل الواحد من المسلمين يأسر بالعشرات من الصليبيين، يقيّدهم بالحبال، حتى استسلم ملوك الصليبيين، ووقع أكثرُهم في الأسر.


وواصل السلطان الناصر سيره، حتى استولى على قلعة طبريّة الحصينة، وافتتح عكا صلحًا، "ثم سار منها إلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل يأخذها بَلدًا بلدًا، لخلوّها من المقاتِلَةِ والملوك، ثم رجع سائرًا نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأرض الغور، فملك ذلك كله.. وكان جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلدًا كبارًا..".


لقد فتحت كل هذه الفتوح الطريق إلى بيت المقدس، وأصبح الهدف المركزي من شن الحرب ضد الصليبية قريب التحقق، وراح الشاعر العماد الأصفهاني يقول لصلاح الدين وجيوش المسلمين:


غَزَوْا عُقْر دار المشركين بـ"غزة"


جِهَارًا، وطرف الشرك خزيان مُطْرِقُ


وهيَّجْـتَ للبيـت المقـدَّس لوعـة


يطول بها منه إليك التشوُّقُ


هـو البيـت إن تفتحْـه، والله فاعل،


فمـا بعـده بـاب مـن الشـام مغلَــق!


صلاح الدين يحرر القدس:


كانت أنشودةً رائعة للنصر، تلك التي غنّاها صلاح الدين في حطين، حيث التقط بعدها المدن والقلاع من يد الصليبيين واحدة بعد الأخرى. وكان المسلمون بعدها يترقبون بشوق عارم أن يعلن السلطان التوجه إلى بيت المقدس، فلما أعلن ذلك طارت بهم أرواح الشوق، فقصده المتطوعون من العلماء والصالحين من أنحاء العالم الإسلامي، وأتاه أخوه الملك العادل من مصر في قواته، فاجتمع لدى صلاح الدين جيش كبير، سار به من عسقلان إلى القدس.


وقف الجيش المسلم أمام المدينة المُطلة على الدنيا من فوق مرتفعاتها في كبرياء وشموخ، بعد أن وجه صلاح الدين أسطوله البحري في مصر إلى الشواطئ قُبالة القدس، ليمنع وصول أي مساعدة إلى الصليبيين.


وأنزل صلاح الدين أخاه العادل في جيشه جنوب سور المدينة ليشغل العدو بهذه الناحية، ويشتت قواتهم حول الأسوار المنيعة، ونزل السلطانُ نفسُه في الناحية الغربية من القدس، وبقي في موضعه هذا خمسة أيام يحاول اقتحام المدينة، والعدو يزيد هذه الناحية تحصينًا، حتى أيقن صلاح الدين أن الصليبيين قد ركزوا أكثر اهتمامهم وقواتهم وعتادهم في السور الغربي للمدينة، فتحول فجأة إلى السور من جهته الشمالية، ووقع القتال ساخنًا، حتى استشهد بعض أمراء المسلمين، فازدادت النفوس حماسة وإصرارًا على القتال، وأبصر المسلمون الصلبان فوق قبة الصخرة وفوق الأسوار، فازدادوا حماسة لإبطال هذا كله، وتساقطت الأحجار من المجانيق على السور كالمطر الغزير، وتحت وابل هذه الأحجار نقب المسلمون السور من زاويته الشرقية الشمالية، حتى انهدم البرج القائم هناك، وانفتح الطريق أمام المسلمين لاقتحام المدينة.


كان أمام المسلمين أن يُعْمِلوا في أعدائهم قتلاً وذبحًا، ويملأوا شوارع المدينة المباركة من دماء القتلى، لكن صلاح الدين قَبِل أن يصالح الصليبيين، وتسلم منهم القدس المباركة في السابع والعشرين من شهر رجب، أي ما يوافق ليلة الإسراء والمعراج من سنة خمسمائة وثلاث وثمانين.


ومسح القائد المنتصر عن المدينة دموعها، وعالج آلامها، وردَّها إلى سالف عهدها مدينةً إسلامية يُرفع فيها الأذان، وتقام الجُمُعَات.







رد مع اقتباس
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:14 PM بتوقيت عمان

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
[ Crystal ® MmS & SmS - 3.6 By L I V R Z ]
mess by mess ©2009